ثقافة الابتكار الفضاء من أجل التنمية المستدامة

    • بقلم : د . غادة عامر

     

    قبل ستين عاما، أطلق الاتحاد السوفيتي بنجاح أول قمر صناعي "سبوتنيك "1، وكان هذا الإطلاق سبابا لدخول الدول العظمى الي ما أطلق علية "سباق الفضاء"، الذي كان عبارة عن منافسة مباشرة وشديدة وشرسة على التفوق في الفضاء بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي بشكل رئيسي. 

    واللافت للنظر أن تلك الدولتان لم ترغبان في مشاركة أي دولة أخرى في برامجها، بل وأصرت كل دولة منهم علي تحمل  عناء تكاليف مادية كبيرة جدا علي أن تشترك أي دولة في امتلاك هذه المعرفة في ذلك الوقت. فعلى سبيل المثال لا الحصر، استخدم برنامج أبولو -التابع للإدارة الوطنية الأمريكية للملاحة الجوية والفضاء (NASA)- أكثر من 400ألف شخص وتكلف 110 مليار دولار ، وهذه تعتبر ميزانية ضخمه وعدد كبير من العاملين أثارا العديد من الانتقادات من شعوب تلك الدول في تلك الفترة (1961-1974). 

    لكن الآن وبعد هذه الأعوام أصبح واضحا للجميع سبب إصرار تلك الدولتان لامتلاك برامج للفضاء دون إشراك أي دولة معهما، لقد منحت برامج الفضاء فوائد استراتيجية واقتصادية كبيرة لتلك الدولتان، فمعظم التكنولوجيا التي بين أدينا الآن والتي كانت سببا للثورة التكنولوجية والرقمية من الإنترنت الي أجهزة الحاسوب المتطورة الي الهواتف الخلوية الي تقنيات الاتصالات ونظام تحديد المواقع الذي طور وحسن عمليات الملاحة البرية والبحرية والجوية وطرق معالجة المعلومات وغيرهم، كان السبب في وجودهم هو برامج الفضاء. أيضا ساعدت برامج الفضاء في إنشاء شركات ناشئة خاصة في مجالات التكنولوجيا المختلفة، وتشير إحدى الدراسات التي تناولت الآثار الاقتصادية لبرنامج الفضاء الأمريكي، إلى أن كل دولار ينفق على البحث والتطوير في مجال الفضاء حقق متوسطًا يزيد قليلاً عن سبع دولارات من العائدات التجارية الأخرى خلال فترة 18 عامًا!

     

    ونتيجة لذلك أصبحت هناك علاقة وثيقة بين امتلاك برامج ومشاريع فضائية وبين التفوق الاقتصادي الناتج عن امتلاك التكنولوجيا الفائقة، و بالتالي أصبح الفضاء يمثل واجهة حرجة للمنافسة الاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية والأمنية بين الدول، ولقد دخلت دول أخري هذا المضمار مثل الصين والهند ودول الاتحاد الأوروبي وغيرهم، وأصبحت هذه القوي الفضائية الرائدة لديها برامج استكشاف مهمة مثل برنامج القمر الصيني وبرامج المريخ المختلفة (التي يقودها لاعبون من القطاع الخاص مثل اسبيس إكس ناسا (SpaceX NASA) ووكالة الفضاء الأوروبية (ESA). علاوة على ذلك، فقد ازدادت بشكل ملحوظ قائمة الدول التي لديها برامج فضائية وطنية، وقد جمعت أوروبا جهودها من خلال وكالة الفضاء الأوروبية، وكان لها برامج مثل نظام غاليليو الملاحي وبرنامج كوبرنيكوس لمراقبة الأرض. وقد أسفرت برامج التعاون الدولية عن إنشاء روابط جديدة، غالبًا في شكل مشاريع مشتركة.

    وبالتالي ساعدت التقنيات المتعلقة بالفضاء في دفع النمو الاقتصادي وتحسين مستوى المعيشة ولعبت دورًا أساسيًا في تجميع اقتصاد عالمي بقيمة 78 تريليون دولار أمريكي حسب تقرير حلف شمال الأطلسي عام 2017. وفي نفس الوقت، مكّنت أنظمة الردع النووي، وسهّلت العمليات العسكرية البرية والجوية والبحرية، وأحدثت تطورات كبيرة في الأرصاد الجوية، ورصد الأرض، ورسم الخرائط، والإنترنت، والاتصالات. على الرغم من أن النموذج الأصلي لاستكشاف الفضاء كان أحد أدوات الحرب الباردة للهيمنة، لكنه أصبح أيضًا ساحة للتعاون الدولي، مثل التعاون في إنشاء محطة الفضاء الدولية (ISS)، وهناك أمثلة لا تعد ولا تحصى من البعثات والمشاريع العلمية المشتركة.

    ورغم التعاون السلمي يظل الفضاء ساحة مهمة للمنافسة والصراعات بين الدول، وربما يكون من العوامل الرئيسية في انتشار الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، كما أنه له دور كبير في مجالات مثل الدفاع الصاروخي والاتصالات العسكرية والقيادة والسيطرة والمراقبة وجمع المعلومات الاستخبارية. لذلك لا تزال حكومة الولايات المتحدة تنفق أكثر من 40 مليار دولار أمريكي سنويًا على الفضاء، مع تقسيم هذا التمويل بين برنامج الفضاء الخاص بوزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" وناسا. وتنفق الدول الأعضاء في وكالة الفضاء الأوروبية أكثر من 6 مليارات دولار كل عام، بينما تنفق روسيا ما يقدر بنحو 1.6 مليار دولار على مساعيها الفضائية حسب تقرير وكالة الفضاء الأوروبية لعام 2016. أما ما تنفقه الصين وإسرائيل لم يتم الإفصاح عنه الي الان.

    الخلاصة انه هناك ثورة في تمويل الفضاء واستكشافه وتسويقه. مدفوعًا بالتقدم التكنولوجي الكبير والوعد بإحداث اختراقات تكنولوجية وتجارية سوف تغير شكل السوق العالمي، وقد دخل الآن جهات فاعلة جديدة، بما في ذلك البلدان النامية والشركات الخاصة وحتى الأفراد، في ساحة كانت ذات يوم تهيمن عليها الدول القوية فقط. حيث تعمل هذه الجهات الفاعلة على تغيير ديناميكيات صناعة الفضاء وإثارة أسئلة تجارية واستراتيجية مهمة لواضعي السياسات في جميع الدول النامية عامة والعربية خاصة. لأن هذا البعد الحاسم للنشاط البشري يمر بثورة في التكنولوجيا والفرصة والتوقعات والقيادة لأعوام عديدة قادمة.

     

    ولقد اهتمت مصر منذ مدة ليست بالقليلة بعلوم الفضاء فمنذ عام 1960 كان هناك فكرة لإطلاق برنامج فضاء مصري لكنه توقف لأسباب غير معروفة، وكانت هناك محاولات عديدة بعد ذلك، لكن التحرك القوي كان عندما وضعت مصر عام  2000 استراتيجيتها في مجال الفضاء، وبدأ النشاط الفضائي فعليا في مصر ككيان عام 2004 للتعامل مع الدول الأخرى ولتنظيم النشاط الداخلي، وكان النجاح الحقيقي هو القانون رقم 3 لسنة 2018، والذي ينص على إنشاء هيئة عامة اقتصادية تسمى “وكالة الفضاء المصرية”، التي يطمح أن تحول مصر الي دولة تمتلك الكثير من تكنولوجيات الفضاء لأجل التنمية المستدامة. 

     

    حمّل تطبيق جريدة عالم رقمي الآن