الذكاء الاصطناعي قد يؤثر على 40% من الوظائف ..و 85 مليون وظيفة مهددة بحلول 2026

  • كتب : اسلام توفيق

     

    لطالما كان «وادي السيليكون» رمزاً لفكرة واحدة: أن المستقبل يُصنع، ثم تُجنى ثماره. فمنذ عقود، ارتكزت ثقافته على إيمان راسخ بأن الابتكار، والمخاطرة، والمهارات التقنية قادرة على فتح أبواب نجاح مالي استثنائي، وتحويل الأفكار إلى ثروات، والشركات الناشئة إلى محركات للحراك الاجتماعي.

    هل نعيش اللحظة الأخيرة ؟

     

    لكن مع التسارع غير المسبوق في قدرات الذكاء الاصطناعي، بدأت هذه المعادلة تهتز، وبرز سؤال أكثر قتامة في أوساط التكنولوجيا: هل نعيش اللحظة الأخيرة التي يمكن فيها بناء ثروة عابرة للأجيال، قبل أن يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف طبيعة العمل، وقيمة المال نفسها، على نحو جذري؟.

     

    ما كان في السابق مجرد نقاشات متناثرة على منتديات الإنترنت أو أحاديث ليلية في بيوت المبرمجين، أصبح اليوم قلقاً اقتصادياً علنياً يتردد في غرف مجالس الإدارة وصفحات الصحافة المالية. فبحسب صحيفة «وول ستريت جورنال»، يتصاعد في «وادي السيليكون» شعور متزايد بأن الذكاء الاصطناعي قد يعيد توزيع الفرص الاقتصادية على نحو غير متكافئ: ثروات غير مسبوقة قد تتركز في أيدي شركات التكنولوجيا الكبرى وقادتها، في وقت تُقصي فيه الأتمتة أعداداً متزايدة من الوظائف التقليدية ومصادر الدخل المستقرة.

     

    الحلم الأميركي هل يواجه اختباراً مصيرياً ؟

     

    وفي هذا التصور، لا تواجه سوق العمل مجرد تحوّل تقني عابر، بل يواجه الحلم الأميركي نفسه اختباراً مصيرياً، مع احتمال أن يُرفع سلم الحراك الاجتماعي أمام الغالبية، وأن تُعاد كتابة قواعد الفرص الاقتصادية في عصر الآلة الذكية.

    لا يقتصر هذا القلق على الانطباعات أو المخاوف الثقافية، بل تعززه تقديرات رقمية. فقد حذّر «مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية» (UNCTAD)، من أن الذكاء الاصطناعي قد يؤثر على ما يصل إلى 40% من الوظائف عالمياً خلال العقود القادمة، ما يفتح الباب أمام تغيرات عميقة في بنية سوق العمل.

     

    اختفاء الوظائف بالكامل

     

    وفي الأمد القريب، أشار تقرير صادر عن «المنتدى الاقتصادي العالمي» (WEF) إلى أن ما يقرب من 85 مليون وظيفة قد تتأثر بحلول عام 2026 نتيجة الاعتماد المتسارع على تقنيات الذكاء الاصطناعي، حتى وإن كان هذا التحول لا يعني بالضرورة اختفاء الوظائف بالكامل، بل إعادة تشكيلها وظهور أدوار جديدة تتطلب مهارات أعلى.

     

    وتعكس موجة التسريحات التي شهدها عام 2025 هذا التحول بالفعل، مع إعلان شركات كبرى عن تقليصات في الوظائف التقنية والمالية، في مؤشر عملي على أن تأثير الذكاء الاصطناعي لم يعد سيناريو مستقبلياً بل واقعاً قيد التشكل.

    تغيرات لا رجعة فيه

     

    للوهلة الأولى، قد تبدو هذه المخاوف وكأنها مستوحاة من الخيال العلمي. لكنها في منطقة خليج سان فرانسيسكو ترتبط بقلق واقعي للغاية. فكاليفورنيا تواجه ارتفاعاً حاداً في تكاليف السكن، واتساعاً في فجوة اللامساواة، وضغوطاً سياسية متزايدة لفرض ضرائب على المليارديرات. وبالنسبة لكثيرين، باتت الطبقة الوسطى تبدو حلماً بعيد المنال.

     

    وقد عزز هذا الإحساس بتغير لا رجعة فيه تصريحات بعض أبرز قادة التكنولوجيا. فقد حذّر إيلون ماسك مراراً من اضطرابات واسعة النطاق، متوقعاً أن يجلب الذكاء الاصطناعي «تغييرات جذرية، واضطرابات اجتماعية، وازدهاراً هائلاً»، وهو ما يصفه بالسيناريو المتفائل.

     

    وسار آخرون في الاتجاه نفسه، إذ تحدث سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» (OpenAI)، وداريو أمودي، رئيس شركة «أنثروبيك» (Anthropic)، عن احتمال حدوث إزاحة واسعة للعمالة تشبه ما حدث خلال «الكساد العظيم». ورغم أن الثورات التكنولوجية السابقة أوجدت في نهاية المطاف صناعات وفرصاً جديدة، يرى منتقدون أن الذكاء الاصطناعي قد يكون مختلفاً هذه المرة من حيث السرعة والحجم واتساع التأثير.

     

    فقدان الوظائف

     

    مع هذا التحول، لا يقتصر القلق على فقدان الوظائف، بل يمتد إلى تعمّق التفاوت الاقتصادي. إذ تحذّر بيانات حديثة من اتساع الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة في الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، حيث يتركز اعتماد التقنية في الاقتصادات الكبرى، بينما تعاني الدول ذات الدخل المنخفض من ضعف الوصول إلى البنية التحتية والمهارات اللازمة.

    كما تحذّر «منظمة التجارة العالمية» (WTO) من أن الذكاء الاصطناعي قد يُعمّق فجوة الثروة العالمية ما لم تُعتمد سياسات تضمن توزيعاً أكثر عدالة للعوائد الاقتصادية. كما يشير تحليل اقتصادي صادر عن «صندوق النقد الدولي» (IMF) إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يُقلّل من عدم المساواة في الدخل في بعض القطاعات، لكنه في المقابل يُعزّز عدم المساواة في الثروة، لأن الفوائد تميل إلى التركز لدى مالكي رأس المال وأصحاب الشركات الكبرى.

     

    قارير «غولدمان ساكس» (Goldman Sachs) تُظهر توقعات متباينة: قد تؤدي الأتمتة إلى الاستغناء عن نحو ربع ساعات العمل في بعض القطاعات، مع إمكانية إعادة تخصيص العمالة إلى وظائف أخرى. لكن في المقابل، يحذّر كثير من الخبراء من أن الأدوات الجديدة قد تُزيّح أعداداً كبيرة من العمال، وتزيد الضغط على طبقات الدخل المتوسط والمنخفض، إذا لم تُواكب بسياسات تعليم وتدريب فعّالة.

     

    وفي هذا المناخ، اكتسب «وادي السيليكون» شعوراً ملحاً بالعجلة. فالمزاج السائد، خصوصاً بين العاملين الشباب في قطاع التكنولوجيا، بات مشبعاً بالخوف من فوات الفرصة، مع انتشار قناعة بأن اللحظة الراهنة قد تكون الفرصة الأخيرة لبناء ثروة عائلية قبل أن يعيد الذكاء الاصطناعي رسم قواعد العمل والدخل. ويتردد هذا الشعور في أحاديث غير رسمية ودوائر مهنية مغلقة، حيث يسود الاعتقاد بأن التأخر عن اغتنام هذه المرحلة قد يعني الانزلاق إلى وضع اقتصادي دائم أقل حراكاً، وفق تقرير «وول ستريت جورنال».

     

    حمّل تطبيق Alamrakamy| عالم رقمي الآن