بقلم : لطيفة زناينة
استشارية أولى في استراتيجية الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، متخصصة في قطاع الفندقة الفاخرة الدولية — مؤسِّسة مكتب الاستشارات Elite Consulting Paris
سرجي – لو – أو، خميسٌ من أواخر شهر أغسطس. يُنزل قطار الآر إي آر أ (RER A) ركّابه المعتادين عند محطة نهائية لم يسبق لها أن استقبلت صندوقاً سيادياً. وخلال أربع سنوات، سيتحوّل هذا الرصيف إلى بوابة مدينةٍ ترفيهية بستة مليارات يورو. ومع ذلك، وفي محيطٍ لا يتجاوز خمسمائة متر، لا يوجد فندق واحد من فئة الخمس نجوم. ولا واحد.
علّمتني ستة وعشرون عاماً قضيتها في قطاع الفندقة الفاخرة، عبر القارات الخمس، قاعدةً بسيطة: الأرقام التي تتصدّر العناوين ليست هي الأهمّ أبداً. الأهمّ هو تلك الأرقام التي لا يذكرها أحد.
الرقم الذي لن يُقال لكم
أعلن قصر الإليزيه رسمياً يوم الاثنين عن المشروع الضخم لشركة «قدية للاستثمار» (Qiddiya Investment Company)، إحدى الشركات التابعة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF)، في بلدة كوردمانش. ثلاث مدن ترفيهية، ومئتا هكتار، وحتى ثمانين ألف فرصة عمل غير مباشرة بحسب ما أُعلن. وتتردّد في كل مكان مقارنته بديزني لاند باريس. مقارنةٌ صحيحة، لكنها تُخفي الجوهر.
وبحسب بيانات Elite Consulting Paris، لا يضمّ حوض سرجي اليوم سوى أقلّ من ألف غرفة فندقية، مصنَّفة بالكامل ضمن الفئتين الاقتصادية والمتوسطة. ولا توجد فيه أي منشأة فندقية راقية. وقد تراجع معدّل الإشغال هذا الصيف إلى اثنين وسبعين في المائة، بينما لم يتجاوز متوسط السعر اثنين وخمسين يورو لليلة الواحدة. أما في مارن-لا-فاليه، فتستند ديزني إلى خمسة آلاف وسبعمائة غرفة فندقية. أي أنّ النسبة هي واحد إلى ستة. هذا هو الرقم الحقيقي في الملف.
ولنشأة المشروع أسطورتها الخاصة أيضاً: يروي إيمانويل ماكرون شغفاً مشتركاً بمسلسل «دراغون بول زد»، اكتشفه مع محمد بن سلمان عام ألفين وأربعة وعشرين، ثم رسالةً من ولي العهد يقترح فيها الاستثمار في مدينة ترفيهية بهذا الموضوع. حكايةٌ طريفة بلا شك. لكن ينبغي ألا تُنسينا أن ستة مليارات يورو لا تُدار بالعاطفة. إنها تُدار بمعدّل الإشغال، وبمؤشر RevPAR (العائد لكل غرفة متاحة)، وبِبنية الطلب.
ذاكرة ميرابوليس
الأرض المُختارة ليست محايدة. إنها أرض «ميرابوليس»، المدينة الترفيهية التي أُغلقت عام ألف وتسعمائة وواحد وتسعين بعد ثلاثة مواسم فقط، ويعود ذلك أساساً إلى ضعف إمكانية الوصول إليها وقصور العرض الاستقبالي المحيط بها. وبعد خمسة وثلاثين عاماً، لا يزال قطار الآر إي آر أ نفسَ الخطّ الهشّ، ولا يزال جزءٌ من العقار أرضاً بائرة مشغولة. وعلى بُعد كيلومترات قليلة، أظهر مشروع «يوروبا سيتي» عام ألفين وتسعة عشر ما يمكن أن يفعله نقاشٌ عامّ لم يُحسَن التحضير له بمشروع، حتى وإن كانت الدولة هي الراعية له. «قدية» يتقدّم بسرعة. أما المنظومة التي يُفترض أن تستقبله، فلم تتحرّك منذ ثلاثة عقود.
الفجوة التي لم تسمح أورلاندو قط بترسّخها
لم تصبح أورلاندو وجهة عالمية بفضل معالمها الترفيهية وحدها. بل إنّ تراكم المنتجعات، والأجنحة العائلية، والمنشآت الفندقية الراقية حول المدينة الترفيهية هو ما حوّل الزيارة العابرة إلى إقامة، والإقامة إلى إنفاق يُستوعَب محلياً. أما المدينة الترفيهية التي تخلو من منظومة فندقية راقية محيطة بها، فتعمل كمغناطيس بلا برادة حديد: يجذب، لكن لا شيء يستقرّ حوله بشكل دائم.
«لا يُقاس المشروع السياحي الضخم بحجم مدينته الترفيهية، بل بالسرعة التي يتموضع بها العرض الفندقي الراقي حوله. وفي سرجي، هذا السباق لم يبدأ بعد.» — لطيفة زناينة، استشارية أولى في استراتيجية الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، متخصصة في قطاع الفندقة الفاخرة الدولية، مؤسِّسة مكتب الاستشارات Elite Consulting Paris
ما تعرفه فنادق باريس الفخمة سلفاً
على بُعد ثلاثين دقيقة من سرجي، تراقب الفنادق الفخمة في باريس والمؤسسات الكبرى في مارن-لا-فاليه هذا الملف بهدوءٍ خادع. فما دامت لا توجد أي غرفة راقية في الموقع نفسه، ستتوجّه إليها بطبيعة الحال الوفود السعودية، ومستثمرو الخليج، والعملاء من الفئة الراقية القادمون لمعاينة الورشة المستقبلية. والفرصة لا تنتظر حلول عام ألفين وثلاثين؛ إنها مفتوحة منذ يوم الاثنين، لمن يُحسن قراءتها في بيانات الحجوزات ومصادر العملاء، لا في بيان قصر الإليزيه.
نافذة تُقاس بالأشهر لا بالسنوات
بمجرد تجاوز عتبة أربعمائة وستين مليون يورو، تفرض القوانين الفرنسية على أي منشأة سياحية إحالة الملف إلى «اللجنة الوطنية للنقاش العام». تشاور، وتقييم بيئي، ورخصة أولى: احسبوا نحو عام كامل قبل أول ضربة معول إدارية، ثم خمس إلى ست سنوات من الأشغال. الافتتاح المُعلن: بين عامي ألفين وثلاثين وألفين وواحد وثلاثين. هذا الجدول الزمني ليس قيداً على المستثمر الفندقي. إنه نافذة.
لن تكون المجموعات الفائزة بأفضل القطع الأرضية تلك التي تنتظر صدور رخصة البناء. بل ستكون تلك التي تبادر، منذ الآن، إلى مقاطعة بيانات تدفّقات الآر إي آر أ، وسيناريوهات الإقبال السياحي، وملفات مستثمري الخليج، لبناء ملفٍّ متين حتى قبل افتتاح النقاش العام. هذا المشروع الضخم أعاد للتوّ فتح خطٍّ كان يُظنّ أنه أُغلق نهائياً منذ فشل ميرابوليس. والسؤال الحقيقي ليس مَن سيبني المدينة الترفيهية الثالثة، التي لا يزال موضوعها غير معلَن. بل مَن سيملك الذكاء الكافي ليبني، إلى جانبها، الفندق الذي لا وجود له بعد.








