بقلم : د . هبه صالح
رئيس معهد تكنولوجيا المعلومات " iTi "
"أخبار السوق إيه؟" سؤال يأتيني كثيرا، خصوصا مع ما يحدث في الذكاء الاصطناعي وتأثيره على البرمجة، والوظائف التي تتغير، والمهارات التي يعاد تقييم قيمتها. في السطور القادمة اخترت أن أجيب من خلال قصة أحد خريجينا هذا العام: خالد...
شاب من الزقازيق، عرف المعهد من أخيه وأخته اللذين سبقاه في الالتحاق بمنحITI.... جزء من رحلة التدريب، التشجيع على ممارسة وتطبيق ما تعلمه من خلال أحد فرص العمل عن بعد أو العمل الحر وقبل تخرجه. استطاع خالد أن يقدم مشروع بقيمة تقارب 7 آلاف يورو، انتهى من تنفيذه في خلال 4 شهور. هذا واحد من أعلى المشروعات التي تمت هذا العام بواسطة المتدربين. العائد جميل طبعا، ولكن طبيعة المهمة أجمل، وحتى حين!
عكس المشروع كيف تغيّر الطلب في السوق. فالعميل لم يكن يبحث عن مبرمج يجيد لغة بعينها، بل عن حل تقني يمكّن مكتبه القانوني من التعامل مع حجم أكبر من القضايا، بصورة أكثر أمانًا وكفاءة، وبتكلفة يمكن التحكم فيها.
وخالد لم يقدّم نفسه باعتباره شخصًا يجيد كتابة الكود، ولا باعتباره مسلحًا بحقيبة مبهرة من أدوات الذكاء الاصطناعى،ولكنه قدم نفسه من خلال مهارات الخبير الذى استطاع فهم المشكلة، ورسم معماريتها، وتقديّر تكلفتها، وتصميمها داخل بيئة تحافظ على خصوصية بيانات العميل. كان أشبه بالمايسترو الذي يعيد ترتيب دورة العمل داخل المكتب؛ ينسّق بين عدد من الـAgents وعدة نماذج للذكاء الاصطناعي، ويوجّه كل منها إلى المهمة التي تناسبه، مع الموازنة بين الجودة والسرعة والتكلفة. خالد لم يبع أداةAI، ولم يقدّم نفسه من خلال مهارات كانت كافية منذ وقت قريب، مدركا أنها تحولت لمهارات تأسيسية، ضرورية ولكنها غير كافية للتميّز. باع خالد قدرة جديدة للعميل. قدرة تعيد تشكيل دورة العمل نفسها، وتجمع بين عمق تقني، وفهم لطبيعة العمل القانوني، ومهارات تفاوض وطرح وتسعير بدائل تحقق عائدًا يمكن للعميل قياسها. توج كل ذلك بفهمه لمسألة السيادة والتحكم في بيانات العميل، وتمكينه من التشغيل الآمن، ومراقبة ومراجعة دورة العمل الجديدة. لم تكن تفاصيل تقنية أو تنظيمية، لكنها كانت جزءًا من قرار الشراء نفسه، وهي التي قد تفصل بين Demo يبدو جيدًا، وبين حل يثق فيه العميل بما يكفي لإتمام الصفقة واستخدامه فعليًا.
نرجع مرة أخرى للسؤال: أخبار السوق إيه؟ السوق لم تختفِ فرصه، لكنه غيّر ما يطلبه.
سقف المهارات ارتفع، والقيمة تتحرك من مجرد التنفيذ إلى فهم المشكلة، وهندسة الحل، وتحمل مسؤولية النتيجة. خالد نجح في اقتناص أول فرصة كبيرة. لكن عليه أن يكون أكثر حذرا وذكاءً في الخطوة التالية؛ لأن السوق لن يتوقف عن التغيير، وسيستمر في طرح السؤال الأكثر ضغطا: وماذا بعد؟
خالد اقتنص فرصة اليوم، لكن ميزته نفسها قد تتآكل غدًا. ما بناه قد يظهر كخدمة داخل منصة عالمية، أو كحل قطاعي جاهز يقدمه أحد اللاعبين الكبار، وما منحه ميزة اليوم قد يصبح متاحًا للجميع غدًا. هنا يبدأ اختباره الحقيقي. قد يرى خالد خندقه في تخصيص النموذج؛ ويتفوق في اللغة والسياق، ويبني في مجال يثمن الثقة والخصوصية والسيادة على البيانات. وقد يعبر بنفس القدرة إلى قطاع آخر، وينقب عن "بترول بيانات" في قطاع جديد لم يكتشف أحد بعد كيف يحوله إلى قيمة.
وقد يقرر ببساطة أن يستفيد من الفرصة ما دامت مجدية، ثم يعيد استثمار ما تعلمه وما حققه في موجة أخرى.
سأترك ماذا بعد لخالد، فالخيارات أمامه متعددة، طالما تمرس على مهارة روؤية الموجة وهي لا تزال بعيدة، وفهم أين تحمل قيمة حقيقية... حتى لو كانت الى حين.








