بقلم : خالد حسن
تعد حماية الأطفال على الإنترنت ومنع مخاطر شبكات التواصل الاجتماعي ضرورة حتمية لمواجهة التحديات الرقمية، حيث تزايدت معدلات الاستخدام بشكل ملحوظ لتصل نسبة الأطفال المستخدمين للإنترنت في مصر إلى 35% من إجمالي المستخدمين، مما يحتم تفعيل الرقابة الأبوية وبرامج الوعي الرقمي لإنقاذ الجيل الجديد من الإدمان والعزلة كما تشير الإحصائيات في مصر إلى أن الأطفال يقضون أوقاتاً طويلة أمام الشاشات، حيث يصل متوسط استخدامهم اليومي إلى ساعة على الهاتف والحاسوب، وساعتين كاملتين أمام الألعاب الإلكترونية .
وبالطبع لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد نافذة افتراضية للمعرفة والتواصل، بل تحولت إلى "خوارزميات إدمانية" تستنزف عقول أطفالنا وتهدد صحتهم النفسية. أمام هذا الخطر المتصاعد، لم يعد خيار "التركيز على التربية الفردية" كافياً، وبات لزاماً على المجتمعات والحكومات التدخل بحزم عبر تشريعات وقوانين صارمة تحظر استخدام الأطفال لهذه المنصات لإنقاذ جيل كامل.
القضية أصبحت هماً عالمياً مشتركاً، وتصدرت الدول المتقدمة مشهد الحماية الرقمية لسن القُصّرفالنموذج الأسترالي: تصدّرت أستراليا دول العالم كأول دولة تحظر وصول الأطفال دون سن 16 عاماً إلى منصات التواصل الاجتماعي، محملةً الشركات التقنية مسؤولية التحقق الصارم من الأعمار وبالنسبة للتوجه الأوروبي والبريطاني فقد أعلنت الحكومة البريطانية عن خطط لحظر استخدام شبكات التواصل لمن هم دون سن 16 عاماً، في حين تدرس فرنسا ودول أخرى اتخاذ قرارات مشابهة
وفي ظل هذا الزخم العالمي، لم تقف الدول العربية مكتوفة الأيدي؛ حيث برزت مؤخراً قرارات حازمة من حكومة الإمارات بحظر إنشاء الحسابات أو تشغيلها للأطفال دون سن 15 عاماً. وفي السياق المحلي بمصر، يناقش البرلمان ولجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات تشريعاً متكاملاً ومشروعات قوانين تستهدف التنظيم الآمن لاستخدام الأطفال للإنترنت، بدءاً من تفعيل "شريحة الأطفال" ووضع ضوابط عمرية صارمة تمنع وصول الأطفال دون 13 أو 15 عاماً لمنصات التواصل المفتوحة.
فى إطار جهود نشر ثقافة الاستخدام الآمن والمسئول للإنترنت، أطلق الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات " NTRA " ، التابع لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بالتعاون مع شركات المحمول حملة رسائل نصية توعوية، لترسيخ مفاهيم الوعى الرقمى فى المجتمع المصرى، والتعريف بمنصة «واعى.نت www.wa3i.net " »، التى تهدف إلى ترسيخ مبادئ الأمان والخصوصية عبر الفضاء الرقمى، وكذلك التعريف بأساليب الحماية المختلفة فى أثناء استخدام الأطفال الإنترنت والتطبيقات الرقمية وذلك من خلال توجيه الجهاز سلسلة من الرسائل النصية التوعوية للمواطنين، تتناول مجموعة من الموضوعات المرتبطة بسلامة أفراد الأسرة على الإنترنت.
وتغطى هذه الرسائل موضوعات عدة، تشمل الحوار حول التحديات الرقمية التى قد يواجهها الأبناء، وفهم طبيعة تفاعلهم مع العالم الرقمى، ووضع قواعد وإرشادات للاستخدام الآمن للإنترنت، وحماية البيانات والخصوصية على شبكة العنكبوتية، والتعامل الواعى مع المخاطر الرقمية، مثل التنمر والابتزاز الإلكترونى، إلى جانب تشجيع السلوكيات الرقمية الإيجابية.
كما تدعو الرسائل النصية الأسر إلى التوجه لمنصة «واعى.نت» من أجل التعرف على محتوى توعوى وتفاعلى متنوع وموجه خصيصا للأطفال والمراهقين والشباب وأولياء الأمور والمعلمين، يستعرض مواد مبسطة ومصنفة وفقا للفئات العمرية المختلفة، والمشاركة فى المسابقات المعنية ببناء المعرفة تجاه تجربة أكثر أمانا فى الفضاء الرقمى.
وفى خطوة نوعية لحماية الاطفال من تعرضهم لمخاطر منصات التواصل الاجتماعي أعلنت الإمارات ، نهاية الاسبوع الماضي ، قراراً يضع حداً أدنى لسن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي عند 15 عاماً، لتكون بذلك أول دولة عربية تُقدم على مثل هذا الإجراء في وقت تسعى فيه حكومات في دول مختلفة من العالم إلى التعامل مع تنامي المخاوف بشأن تأثير المنصات الإلكترونية عل الأطفال، كما أوردت وكالة «رويترز».
واصدر مجلس الوزراء برئاسة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، قراراً بشأن تنظيم وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي، في خطوة تعكس توجه دولة الإمارات نحو ترسيخ نموذج متقدم لحماية الطفل في الفضاء الرقمي، وتعزيز منظومة السلامة الرقمية، وبما يواكب التحولات المتسارعة في استخدام التكنولوجيا، حيث يهدف القرار إلى تمكين الأطفال من الاستفادة منها ضمن بيئة رقمية آمنة ومتوازنة ومناسبة لأعمارهم كما يشمل القرار منصات التواصل الاجتماعي التي تُتيح للمستخدم إنشاء حسابات أو ملفات شخصية، أو تمكّنه من التفاعل الاجتماعي ونشر المحتوى وتداوله، أو تعتمد على أنظمة خوارزمية في عرض المحتوى أو ترتيبه أو التوصية به، سواءً كانت مجانية أو مدفوعة، ويسري على جميع منصات التواصل الاجتماعي سواءً التي تكون خدماتها متاحة داخل الدولة أو الموجهة إلى مستخدمين فيها.
وحدّد القرار الحد الأدنى لعمر استخدام منصات التواصل الاجتماعي بـ(15) عاماً، حيث يُحظر على الأطفال دون هذه السن إنشاء أو استخدام أو تشغيل الحسابات الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي، كما يُحظر وصولهم إلى الخصائص الكاملة للمنصات بما في ذلك التفاعل الاجتماعي أو النشر أو التعليق أو المشاركة أو الانضمام إلى المجموعات العامة أو القنوات المفتوحة أو أي مساحات تفاعلية واسعة النطاق، ويُلزم القرار المنصات باتخاذ جميع التدابير التقنية والتنظيمية اللازمة لتحقيق ذلك، ويُراعي الانتقال التدريجي نحو عادات رقمية أكثر توازناً وصحة، بما ينسجم مع المراحل العمرية المختلفة للأطفال والناشئة.
وأجاز القرار للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين (15) و(16) عاماً استخدام منصات التواصل الاجتماعي، شريطة إخضاع حساباتهم لتدابير حماية خاصة تشمل تصنيف وتقييد المحتوى وفق الفئة العمرية وتعطيل الخصائص عالية المخاطر مثل التفاعل مع المستخدمين غير المعروفين، وتنظيم أوقات ومدد الاستخدام وتوفير أدوات الرقابة الأبوية كما نصّ القرار على عدم الاعتداد بموافقة ولي الأمر كاستثناء من الحظر أو القيود المقررة بموجبه، وأجاز للقائم على رعاية الطفل ضبط الإعدادات على حسابات الأطفال الذين أتمّوا سن (15) الخامسة عشرة ولم يُتمّوا سن (16) السادسة عشرة عبر أدوات الرقابة الأبوية التي توفرها منصات التواصل الاجتماعي بما لا يتعارض مع الحظر والقيود المقررة، وذلك بما يضمن بيئة رقمية آمنة تتناسب مع أعمار الأطفال، وتسهم في تعزيز الاستخدام الإيجابي للتكنولوجيا في التعلم واكتساب المهارات، مع الحد من التعرض للمخاطر الرقمية.
وألزم القرار منصات التواصل الاجتماعي بتطبيق آليات فعالة وموثوقة للتحقق من عمر المستخدم، مثل الهوية الرقمية أو التقنيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي بما في ذلك الوسائل البيومترية أو أي آليات أخرى يتم اعتمادها من مجلس السلامة الرقمية للطفل.
وبالنسبة لاشكالية عدم الاعتداد بالتصريح الذاتي بالعمر كوسيلة للتحقق نصّ القرار على عدم الاعتداد بالتصريح الذاتي بالعمر كوسيلة للتحقق، كما شدّد على أهمية أن تحقق الآليات المستخدمة مستوىً عالٍ من الدقة في تحديد عمر المستخدم، مع الالتزام بأعلى معايير حماية الخصوصية والبيانات الشخصية للطفل من خلال تقليل جمع البيانات إلى الحد الأدنى وتأمين معالجتها وضمان عدم الاحتفاظ بها إلا للمدة اللازمة، وخضوع الآليات للمراجعة والتدقيق، وتوفير معلومات واضحة للمستخدمين حول كيفية عملها، وذلك بما يعزز الثقة والشفافية في البيئة الرقمية، ويحقق التوازن بين فعالية أدوات الحماية الرقمية والالتزام بأعلى معايير الخصوصية وحماية البيانات الشخصية.
كذلك ألزم القرار منصات التواصل الاجتماعي العاملة في الدولة أو الموجهة إلى جمهور داخل الدولة، برصد الحسابات الشخصية للأطفال دون سن (15) عاما المنشأة بالمخالفة لأحكام القرار واتخاذ إجراءات التعليق أو التعطيل الفوري لها، واتخاذ ما يلزم من تدابير تقنية وتنظيمية لمنع التحايل على الأنظمة، بالإضافة إلى الامتناع عن استهداف الأطفال بالإعلانات الموجهة المبنية على التتبع والتنميط السلوكي أو استغلال بياناتهم الشخصية أو معالجتها لأغراض تجارية قائمة على تتبع نشاطهم الرقمي، إلى جانب الالتزام بتوفير أدوات رقابة أبوية ومواد توعوية موجهة للأطفال والقائمين على رعايتهم، وإجراء تقييمات دورية لمخاطر السلامة الرقمية للأطفال ورفع التقارير الدورية للجهات المختصة، وذلك بما يرسخ مبدأ المسؤولية المشتركة ويعزز دور المنصات كشريك أساسي في حماية الأطفال.
وفى تصورى ان اهم ما تتضمن القرار عو ضرورة الإشراف الفعلي على نشاط الطفل الرقمي حيث أكّد القرار على مسؤوليات القائم على رعاية الطفل تشمل عدم تمكينه من استخدام المنصات بالمخالفة لأحكام القرار، وعدم التحايل على آليات التحقق من العمر، إلى جانب ممارسة الإشراف الفعلي على نشاط الطفل الرقمي المسموح به، وتعزيز وعيه بالمخاطر الرقمية وممارسات الاستخدام الآمن، كما يوفر القرار إطاراً واضحاً للأسر وأدوات عملية تساعدها على توجيه الأبناء نحو استخدام رقمي أكثر وعياً وتوازناً.
وأسند القرار مهام الرقابة والإشراف على امتثال منصات التواصل الاجتماعي بالالتزامات والضوابط والمعايير التي نصّ عليها إلى الهيئة الوطنية للإعلام والهيئة العامة لتنظيم قطاع الاتصالات والحكومة الرقمية، كلٌ حسب اختصاصها، مع منحهما صلاحيات اتخاذ التدابير اللازمة في حال المخالفة بما في ذلك التنبيه أو الحجب الجزئي أو الحجب الكلي للمنصات أو فرض الجزاءات الإدارية المقررة وبمراعاة التدرج فيها.
كما يتولى مجلس السلامة الرقمية للطفل تقييم المخاطر والتأثيرات المرتبطة بوصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي، واقتراح التدابير اللازمة لمعالجتها والحد منها بالتنسيق مع الجهات الاتحادية والمحلية المعنية، وذلك بما يضمن التنفيذ الفعّال لأحكام القرار والتطوير المستمر لمنظومة السلامة الرقمية للطفل.
وعن توقيت تطبيق القرار فقد نص على منح منصات التواصل الاجتماعي مهلة انتقالية لا تتجاوز (12) شهراً لتوفيق أوضاعها وفقاً لأحكامه، مع تعزيز التواصل والتنسيق خلال هذه الفترة الانتقالية مع الجهات المختصة لضمان الجاهزية الفنية والتنظيمية.
ويأتي القرار متسقاً مع التوجهات العالمية المتقدمة في مجال حماية الأطفال رقمياً، ويقدم نموذجاً متوازناً يجمع بين السلامة الرقمية ودعم الأسر ومسؤولية المنصات وقابلية التطبيق العملي، بما يدعم انتقال دولة الإمارات إلى مرحلة متقدمة في تنظيم الفضاء الرقمي، تقوم على التشريع الاستباقي والتكامل المؤسسي والتوازن بين الابتكار والحماية، ويعزز موقع الدولة كنموذج عالمي رائد في حماية الأطفال وضمان سلامتهم في العصر الرقمي، ويعكس التزامها المستمر ببناء مجتمع رقمي آمن ومستدام.
فى اعتقادي لا يمكننا -وليس من المنطقي- عزل أطفالنا عن التطور التكنولوجي، ولكن الحماية تكمن في "التمكين الذكي". يجب أن نحمي عقول أطفالنا قبل إجهزتهم، فـالوعي الرقمي هو السلاح الأقوى لضمان مستقبل مشرق وآمن لهم
في النهاية نؤكد إن الحظر ليس تقييداً لحرية التعبير، بل هو "صمام أمان" لاستعادة طفولة أبنائنا. يجب على أولياء الأمور، والحكومات، وشركات التكنولوجيا العملاقة تحمل مسؤوليتهم المشتركة. حماية أطفالنا في الفضاء الرقمي لا تقل أهمية عن حمايتهم في العالم الواقعي، والقرار الصارم بمنعهم من استخدام هذه المنصات في سن مبكرة هو أقل ما يمكن تقديمه لبناء جيل سوي، واعٍ، ومستقر.








