نبضات القناع الزائف ل "AI" ..وتغير قواعد مقابلات التوظيف

  •  

    بقلم : خالد حسن

    إن سوق العمل اليوم يعيش معركة شرسة؛ فبينما يظن بعض الباحثين عن عمل أن مبدأ "تظاهر حتى تنجح" مشروع في ظل شح الوظائف، تعيد الشركات تعريف أولوياتها لترفع من "قيمة العنصر البشري الحقيقي"، مضحيةً بالسرعة الرقمية في التوظيف مقابل ضمان النزاهة والكفاءة الواقعية.

    وبالفعل شهد سوق التوظيف العالمي والمحلي تحولاً جذرياً مدفوعاً بطفرة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ فبينما وظفت الشركات هذه التقنيات لتصفية السير الذاتية، انقلب السحر على الساحر بعدما التفت الباحثون عن عمل حول النظام، مستخدمين أدوات الذكاء الاصطناعي في تزييف مهاراتهم واجتياز المقابلات الشخصية الافتراضية بنجاح مبهر. هذا الخداع التكنولوجي يسفر سريعاً عن صدمة الفشل المهني بمجرد استلام الوظيفة، مما يضع إدارات الموارد البشرية أمام أزمة ثقة خانقة وخسائر مالية فادحة ناتجة عن التوظيف الخاطئ.

    ومؤخرا روي لى صديق شخصي ، رئيس احدى كبرى شركات التكنولوجيا ، أنه اجرى مقابلة عن بعد " أون لاين ، مع مرشح لوظيفة برمجية يجلس أمام شاشته ، وكان يتحدث بثقة وثبات، كما كان يجيب على أصعب وأعقد الأسئلة التقنية دون تردد بل وجاءت إجابات المرشح مصقولة، وإن بدت أحياناً محفوظة عن ظهر قلب، وظهر مؤهلاً تماماً للوظيفة والنتيجة؟ طبعا تم تعيينه فوراً الا ان المفاجأة الصادمة ببدأ في الأسبوع الأول من العمل: الموظف لا يمتلك أدنى فكرة عن أساسيات الوظيفة، وعدم القدرة على اتخاذ أبسط القرارات والسبب؟ كان فى وجود "مساعد ذكاء اصطناعي سري" كان يملي عليه الإجابات خلف الشاشة اثناء مقابلة التوظيف .

    وبات صراع "لعبة القط والفأر" هو العنوان الأساسى في عمليات التوظيف بين رغبة المرشح في الفوز بالوظيفة ورغبة الشركات في حماية استثماراتها في ظل تخوفها من وقوعها ضحية خداع بمساعدة الذكاء الاصطناعي، بعد ان ابدت الكثير  من الشركات من ان العديد من المرشحين يمكنهم الاستعانة سراً بروبوت محادثة مثل "شات جي بي تي" للإجابة عن الأسئلة أثناء المقابلات الافتراضية.

    وبالطبع مع انتشار تكنولوجيا الخداع اللحظي لم يعد الأمر مقتصراً على كتابة سيرة ذاتية منمقة بواسطة "ChatGPT " فاليوم، هناك سوق سوداء كاملة لأدوات تُعرف بـ "مساعد المقابلات اللحظي" (AI Interview Copilots) مثل Final Round AI و Interview Coder  و "WhisprGPT" و"Shadecoder" ،وتتراوح أسعار هذه الخدمات بين 10 دولارات و1800 دولار، وغيرها حيث تقرأ هذه الأدوات صوت القائم بالمقابلة وتقوم بتحليل السؤال عبر شاشة المستخدم، وخلال أقل من 3 ثوانٍ (بينما يتظاهر المرشح بالتفكير)، تدفق الآلة الإجابة النموذجية مجهّزة وفق نظام (STAR) أو الأكواد البرمجية المعقدة مباشرة على شاشة ثانوية مخفية ليقرأها المرشح دون أن يرمش له جفن .

    كما تمتلئ منتديات "ريديت" بالنصائح حول كيفية تجنب انكشاف مستخدم هذه الأساليب، فضلاً عن توصيات حول الأدوات التي تحقق أفضل النتائج فى مقابلات التوظيف الافتراضية.

    وهنا تشير بيانات شركة "جارتنر" ، العالمية للابحاث ، و الصادرة في نهاية العام الماضي إلى أن نحو 50%  المتقدمين للوظائف يستخدمون الذكاء الاصطناعي في مرحلة ما من عملية البحث عن عمل، ارتفاعاً من نحو 40% في عام 2024 فيما يقتصر استخدام بعضهم على مهام بسيطة، مثل صقل السيرة الذاتية أو المساعدة في كتابة خطاب التقديم، فإن 32% يستخدمونه لإعداد نصوص لعينات الكتابة، فيما يعتمد 26% عليه للإجابة عن أسئلة اختبارات التقييم، ويقر 13% من المشاركين بأنهم يستعينون بروبوتات المحادثة أثناء إجراء مقابلة العمل فعلياً.

    كما تشير التقارير الصادرة عن منصات التوظيف والتقييم الرقمي إلى أن معدلات الغش باستخدام الذكاء الاصطناعي قفزت بشكل هائل مؤخراً، حيث تم رصد سلوكيات غش في نحو 38.5% من المقابلات التقنية لبعض المنصات، وترتفع النسبة في الوظائف البرمجية والتكنولوجية مقارنة بالوظائف البيعية .

    وفى تصورى ، وكما اكد العديد من الخبراء ، أن الذكاء الاصطناعي، في بعض الحالات، لا يخدع من يجري المقابلة فحسب، بل يخدع المتقدم نفسه أيضاً. فهذا النوع من الأدوات يجعل الشخص يعتقد أنه يقدر فعلاً على إنجاز العمل، لكن في كثير من الأحيان، يتبين أنه لا يستطيع.

    ومن ناحية اخرى فان تزايد اعتماد المرشحين للوظائف على استخدام " القناع الزائف " لمساعد الذكاء الاصطناعي فى إجراء مقابلات التوظيف الافتراضية " يمكن ان يؤدى الى ارتفاع باهظ فى الفاتورة وتكاليف التوظيف بل والى الندم الإداري فالتوظيف ليس مجرد قرار، بل هو استثمار مكلف. عندما تكتشف الشركة أن "عبقري المقابلة" هو مجرد "قارئ شاشة"، تقع الكارثة المالية.الخسائر المباشرة وغير المباشرة:خسارة تكلفة عملية التوظيف الأصلية (التي تتجاوز آلاف الدولارات لكل موظف).هدير أسابيع أو أشهر من الإنتاجية المفقودة، وتكلفة التدريب والتأهيل الضائعة والاضطرار لإعادة فتح باب التوظيف ودفع رسوم إضافية لوكالات التوظيف حت نصل الى مرحلة " الندم الإداري " اذ أكدت شركات استشارية كبرى مثل " Gartner
    " بأن إدارات الموارد البشرية ترصد ارتفاعاً حاداً في عمليات التوظيف التي تندم عليها لاحقاً (
    Bad Hires)، بسبب قدرة الأدوات الذكية على إخفاء العيوب الحقيقية ونقاط الضعف لدى المتقدمين.

    بل إن مديرى كبرى شركات التوظيف العالمية مثل "دلفي-يو إس" اكداو انه اصبح لديهم هواجس جديدة في مجال التوظيف بعصر الذكاء الاصطناعي اذ اعتاد أصحاب العمل في الماضي على أن يبالغ بعض المتقدمين في سيرهم الذاتية أو يتدربوا مسبقاً على إجابات المقابلات لكن المخاوف اليوم أصبحت أعمق، إذ بات المديرون يتساءلون عما إذا كانت المقابلة بأكملها خضعت لتوجيه أو تحسين أو حتى تزييف بواسطة برامج الذكاء الاصطناعي، بحيث لم يعودوا متأكدين مما إذا كانوا يقيّمون مرشحاً حقيقياً أم مجرد نسخة مقنعة منه وأصبحت العملية أقل كفاءة بكثير وعلينا أن نقابل عدداً أكبر" من المرشحين قبل أن نعثر على الشخص المناسب.

    فهذه الأخطاء في التعيينات ليست مزعجة فحسب، بل تسبب خسائر مالية أيضاً. إذ تبلغ تكلفة شغل وظيفة واحدة نحو 1300 دولار في المتوسط، وفقاً لبيانات "جمعية إدارة الموارد البشرية" (Society for Human Resource Management). ولا يشمل هذا الرقم تكاليف التأهيل والتدريب التي لا يمكن استردادها، ولا أسابيع الإنتاجية المهدرة، ولا الوقت الذي يقضيه المديرون في البحث عن بديل مناسب.

    ومن ثمة فان أزمة تزايد "الثقة المفقودة" وصعوبة إيجاد الموظف المناسب وهذا السلوك من جانب بعض المتقدمين للوظائف حوّل التوظيف إلى حقل ألغام، وجعل مسؤولي التوظيف يتعاملون مع كل مرشح "عن بُعد" كمتهم بالخداع حتى يثبت العكس مما ادى الى صعوبة الفرز وبل امكانية ضياع الفرضة على من يمتلك المهارات الحقيقة فالشخص الموهوب حقاً ، الذي قد يرتبك قليلاً في المقابلة، سوف يخسر الفرصة لصالح شخص أقل مهارة لكنه يمتلك أداة ذكاء اصطناعي أسرع وأكثر مرونة وتدفقاً للإجابات.

    وفى اعتقادي هناك الكثير من الأساليب التى يمكن من خلالها للشركات مواجهة هذا الغش الرقمي من جانب بعض المتقدمين للوظائف الجديدة فمثلا شركات تكنولوجية العالمية مثل "جوجل" بدأت بالفعل بإضافة جولات من المقابلة "حضورياً وشخصياً" لمهندسي البرمجيات للتأكد من المهارات الأساسية بعيداً عن الشاشات.الذكاء الاصطناعي كذلك بدأت الشركات في دمج "طبقات أمان ونزاهة" (Integrity Layers) في منصات المقابلات (مثل HireVue و CodeSignal)، والتي تتبع حركة عين المرشح، وتغيرات صوته، وتقيس سرعة استجابته اللحظية لكشف ما إذا كان يقرأ من شاشة أخرى.

    هذا بالاضافة الى " الاختبارات المفاجئة " مثل إلغاء الاختبارات المنزلية التي يمكن حلها بـ ChatGPT، واستبدالها باختبارات حية تتطلب من المرشح "التفكير بصوت عالٍ" وشرح منطق الحل لا النتيجة النهائية فقط كذلك بدأت شركات تقنية أخرى فى اعتماد اختبارات حضورية تخضع لمراقبة صارمة، على غرار اختبارات القبول الجامعية، أو ترسل للمتقدمين كاميرات تُثبت خلفهم، بما يتيح للشركة رؤية كاملة لمحطة عملهم أثناء خوض المقابلات الافتراضية.

    فى النهاية سوق العمل اليوم يعيش معركة شرسة فبينما يظن بعض الباحثين عن عمل مشروعية مبدأ "تظاهر بالمعرفة حتى تنجح" (Fake it till you make it) فى ظل شح الوظائف فان هذا المفهوم أخذ بعداً مرعباً وغير أخلاقي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي وفي النهاية، الخاسر الأكبر هو سوق العمل؛ فالشركات تدفع ميزانيات ضخمة لغربلة الخداع، والباحث الجاد يفقد الفرص، والمحتال ينكشف أمره سريعاً بمجرد مواجهة أول مشكلة حقيقية على مكتبه فالتكنولوجيا صُممت لتمكين المهارة البشرية لا لإخفاء انعدامها وان على الشركات أن تعيد تعريف أولوياتها لترفع من "قيمة العنصر البشري الحقيقي"، مضحيةً بالسرعة الرقمية في التوظيف مقابل ضمان النزاهة والكفاءة الواقعية.

     

    حمّل تطبيق Alamrakamy| عالم رقمي الآن