بقلم : خالد حسن
تحدثا الأسبوع الماضى ، فى نفس هذا المكان ، عن المخاوف الناجمة عن
الأدمان الرقمى للاطفال على منصات التواصل الاجتماعي العالمية وكيف
يمكننا التقليل من هذه المخاطر ونتحدث اليوم حول مدى مسؤولية شركات
التكنولوجيا العالمية المالكة لهذه المنصات عن المخاوف المشروعة فى ظل
تزايد دعاوي الحكومات والافراد وتوجيه الاتهامات لتعمد هذه المنصات إدمان
الأطفال على الدخول عليها بصورة يومية والبقاء لفترات طويلة .
حيث شهد الاسبوع الماضى فيام المحامي مارك لانيير ، وكيل شابة ،بمقاضاة
شركة ميتا بلاتفورمز ومنصة يوتيوب أمام هيئة محلفين في كاليفورنيا إن
ميتا ويوتيوب تعمدتا تصميم منتجاتهما بطريقة تتسبب في إدمان الأطفال،
في محاكمة ستختبر ما إذا كان بالإمكان مساءلة منصات التكنولوجيا الكبرى
على تصميم تطبيقاتها.
ورفعت الشابة البالغة من العمر 20 عاما التي عُرفت اختصارا باسم «كيلي
جي. إم» دعوى على شركتي ميتا بلاتفورمز، الشركة الأم لفيسبوك وإنستغجرام،
وجوجل التابعة لألفابت، المالكة ليوتيوب.
وقال مارك لانيير، محامي كيلي، أمام هيئة المحلفين إن موكلته تعلقت بشدة
بمنصات التواصل الاجتماعي في سن صغيرة بسبب تصميم التطبيقات الذي يدفع
للإدمان. وأضاف أن وثائق داخلية بالشركتين أظهرت أنهما صممتا «أدوات
تستهدف عقول الأطفال وتدفعهم إلى الإدمان، وقد فعلتا ذلك عن قصد».
وربما يُمهد صدور حكم ضد شركات التكنولوجيا الطريق أمام قضايا مماثلة في
محاكم الولايات، ويُزعزع الدفاع القانوني الراسخ لهذه الشركات في
الولايات المتحدة ضد دعاوى الإضرار بالمستخدمين. وتواجه شركات جوجل،
وميتا، وتيك توك، وسناب شات آلاف الدعاوى القضائية في كاليفورنيا ومن
المتوقع استدعاء مارك زوكربيرج، الرئيس التنفيذي لميتا بلاتفورمز، شاهدا
في المحاكمة التي قد تمتد إلى مارس. وتوصلت شركتا تيك توك وسناب إلى
تسوية مع كيلي قبل بدء المحاكمة.
وبالطبع فان هذه القضية تفتح الباب أمام ما بات يعرف ب " اقتصاد الانتباه
" (Attention Economy) ففي العصر الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي ، لم
تعد السلعة هي المنتج الذي تشتريه، بل وقتك وتركيزك. فهذا هو نهج تجاري
يعتبر فيه "انتباه" المستخدمين مورداً نادراً وقابلاً للقياس والبيع حيث
تقوم المنصات (مثل تيك توك، إنستجرام، يوتيوب) بتصميم خوارزميات وواجهات
تجذب انتباه المستخدم لأطول فترة ممكنة اذ كلما قضيت وقتاً أطول على
المنصة، زاد عدد الإعلانات التي تشاهدها، وبالتالي زادت أرباح الشركة
وبالتالى فان مستخدمى هذه المنصات ليست "العميل" في هذه المنصات، بل أنت
"المنتج" الذي يتم بيعه للمعلنين.
وبسبب تصميم " اقتصاد الانتباه " الذي يسعى للإبقاء على الطفل داخل
الشاشة، يصبح الأطفال عرضة لمخاطر متعددة، والتى يمكن تقسيمها إلى "
مخاطر نفسية وسلوكية " حيث ان ان الإدمان الرقمي يؤثر على مراكز المكافأة
في الدماغ، مما يجعل الطفل يشعر بالقلق أو الاكتئاب عند الابتعاد عن
الشاشة ، علاوة " تدني تقدير الذات" من خلال مقارنة حياتهم بحياة
الآخرين "المثالية" على الإنترنت، أو الاعتماد على "الإعجابات" لقياس
قيمتهم الشخصية.
كذلك هناك مخاطر " أمنية واجتماعية " وتتمثل فى " التنمر الإلكتروني "
حيث يتعرض الاطفال للمضايقات والتهديدات من مستخدمين آخرين علاوة على "
الاستغلال والتحرش " من خلال الوصول إلى محتوى غير لائق أو التواصل مع
غرباء بنوايا سيئة بالاضافة الى " انتهاك الخصوصية " جمع البيانات
الشخصية للطفل واستخدامها في الإعلانات المستهدفة أو لأغراض أخرى.
وبالطبع تعلم شركات التكنولوجيا العالمية أن عقول الأطفال في طور النمو،
وأنهم أكثر عرضة لتأثير "التصميم الإقناعي". الخوارزميات مصممة لتقديم
محتوى سريع، مثير، ومستمر، مما يجعل الأطفال غير قادرين على ضبط أنفسهم
للتوقف، مما يعرضهم لهذه المخاطر .
وفقا لروية ، كل من خبراء التربية والصحة النفسية والاجتماعية والتقنين ،
فان هناك مجموعة من الحلول التى تستهدف الحد من مخاطر الادمان الرقمي
للاطفال اولها الحلول التقنية (درع الحماية الرقمي) وتتمثل فى استخدام
تطبيقات الرقابة الأبوية (Parental Control) مثل تطبيقات مثل Google
Family Link أو Apple Screen Time تتيح للوالدين تحديد وقت معين لكل
تطبيق، وإغلاق الهاتف تلقائياً في وقت النوم ، مع تفعيل "وضع تقليل
التفاعل " ، مع إلغاء خاصية "التشغيل التلقائي" (Auto-play) في يوتيوب
ونيتفليكس لكسر حلقة التصفح المستمر ، وكذلك إيقاف "الإشعارات غير
الضرورية" لتقليل رغبة الطفل في تفقد الهاتف كل دقيقة. بالاضافة الي
استخدام محركات بحث وفلاتر آمنة مثل استخدام YouTube Kids أو متصفحات
مخصصة للأطفال تقوم بفلترة المحتوى العنيف أو غير اللائق تلقائياً.
وفيما يتعلق بالحلول التربوية (بناء الوعي) فيجب اطلاق مبادرة لتعليم
اطفالنا الثقافة المعلوماتية (Media Literacy) يتم من خلالها ان تشرح
لاطفالنا ببساطة: "يا بطل، هذه اللعبة مصممة لتجعلك لا تتركها لأنهم
يربحون المال من وقتك". عندما يفهم الطفل "اللعبة"، يبدأ في تطوير نوع من
المقاومة الذهنية كذلك يجب ان يتم تخصيص قاعدة "المناطق والوقات الخالية
من التكنولوجيا" بحيث يتم تحديد أماكن (مثل طاولة الطعام) أو أوقات (قبل
النوم بساعة) يُمنع فيها استخدام لأي شاشات لجميع أفراد الأسرة، ليكون
الأبوان قدوة للطفل على على تطبيق نظام "المقايضة" بالأنشطة الواقعية
بحيث مقابل كل ساعة على الإنترنت، يجب أن يقضي الطفل ساعة في نشاط بدني
أو هواية يدوية. هذا يعيد توازن الدوبامين في الدماغ بين المتعة السلبية
(الشاشات) والمتعة الإيجابية (الإنجاز الحقيقي).
وبالنسبة للحلول التشريعية (المسؤولية الجماعية) فيجب إصدار قوانين
التصميم الأخلاقي ، من الجهات التشريعية ، والمطالبة بتشريعات تمنع
الشركات من استخدام تقنيات "التمرير اللانهائي" في حسابات القصر مع اصدر
قرارات لحماية البيانات و منع المنصات من جمع بيانات الأطفال لغرض
الإعلانات المستهدفة، مما يقلل من جاذبية المحتوى الإدماني لهم وهنا نؤيد
بعض الاراء التى طالبت بإنشاء مركز قومي للإنترنت الآمن تابع للجهاز
القومي لتنظيم الاتصالات (NTRA)، يتولى تنسيق التعامل مع المنصات
الرقمية، وتسريع آليات الإبلاغ والاستجابة، ودعم تدريب جهات إنفاذ
القانون على أحدث الأدوات والإجراءات التقنية.
في اعتقاددي انه يجب أن ندرك أن معركتنا مع منصات التواصل الاجتماعي ليست
مجرد صراع ضد "تطبيقات مسلية"، بل هي معركة من أجل حماية البنية النفسية
والعقلية للجيل القادم. إن "اقتصاد الانتباه" الذي تتبناه هذه الشركات
حوّل براءة الأطفال إلى بيانات رقمية، وسلبهم قدرتهم على التركيز
والاستمتاع باللحظة الحاضرة مقابل جرعات زائفة من "الدوبامين" السريع.
وفى تصورى إن المسؤولية اليوم مشتركة؛ فبينما نحتاج إلى تشريعات دولية
صارمة تفرض "تصميماً أخلاقياً" يحترم طفولة أبنائنا، نحتاج قبل ذلك إلى
"وعي أبوي" يدرك أن الهاتف ليس جليساً آمناً للأطفال. التحدي الحقيقي لا
يكمن في منع التكنولوجيا، بل في تعليم أطفالنا كيف يملكون الأداة لا أن
تملكهم هي، وكيف يفرقون بين عالم افتراضي صُمم لامتصاص وقتهم، وبين حياة
واقعية تنتظر إبداعهم وحضورهم.
فى النهاية نؤكد انه حان الوقت لنضع حداً لهذا الاستنزاف، ونعيد لأطفالنا
حقهم في طفولة لا تملي الخوارزميات مسارها، طفولة تنمو في فضاءات اللعب
والواقع، بعيداً عن أسر "الشاشات اللانهائية" كذلك يجب ان نعلم ان
التكنولوجيا خادم جيد، لكنها سيد مستبد. مهمتنا ليست انتزاع الأجهزة من
أيدي أطفالنا، بل استعادة انتباههم وعقولهم من براثن الخوارزميات كما
نؤكد ايضا أن حماية الأطفال ضرورة لا خلاف عليها، لكن يجب ألا تأتي على
حساب حقهم في المعرفة والإبداع والتعلّم، بما يستلزم تحقيق توازن دقيق
بين الحماية والتمكين الرقمي.
نبضات "اقتصاد الانتباه" والحصانة الرقمية على منصات التواصل

أخبار تهمك
إختارنا لك







