رمضان المعظم .. ومظاهر التكافل المجتمعي

  •     بقلم : خالد حسن

    "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ"

    صدق الله العظيم

    شهر رمضان المعظم .. شهر الصيام، وصلاة القيام، وقراءة القرآن، التفكير، والتأمل، والإحسان، والتراحم، والتآخي، والتعاون على البر والتقوى، وإطعام الفقراء وتهذيب السلوك .

    ورغم صعوبة الظروف الاقتصادية الراهنة لانتشار فيروس كورونا المستجد " كوفيد _19 " ، وحصده لعشرات الآلاف من البشر بجانب إصابته نحو 1.5 مليون إنسان ، مما أقتضى قيام الكثير من دول العالم بفرض إجراءات احترازية لحماية أرواح المواطنين من انتشار الفيروس ، منها حظر التجوال، وعدم الصلاة في المساجد والكنائس ،حيث يحتفل أشقاؤنا الأقباط بعيد البشارة  ، إلا أن المسلمين في مختلف بقاع الأرض ينتظرون هذا الشهر المبارك بروحانيات عالية وبحفاوة وسعادة بالغة ، فهو شهر أوله رحمة ووسطه مغفرة وآخره العتق من النار، وهى الجائزة الكبرى التي ينتظرها الجميع ، والذي تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق أبواب النار وتصفد فيه الشياطين، وتفتح فيه كل أبواب الخير والتضامن الاجتماعي.

    في الحقيقة من أهم مظاهر شهر رمضان هو حب ورغبة الجميع للاستماع إلى آراء العلماء والتعرف على صحيح الإسلام والعمل على مد جذور التعاون فيما بينهم .. ومن ثمة نأمل أن ننتهز أيام هذا الشهر الفضيل لعودة اللحمة إلى الشعب المصري ونبذ العنف لنعود كشعب واحد له مرجعية دينية واحدة ، وهى صحيح الإسلام، وما يمثله الأزهر الشريف بعلمائه وأبنائه ، نريد أن تتجلى روحانيات رمضان في مد أواصر التفاهم والتعايش السلمي بين جميع أبناء الوطن، وعدم الخلط بين مفهوم الاختلاف السياسي وعقائدنا الدينية ، والاعتماد عليه في إصدار أحكام وفتاوى دينية خاطئة ، وأن نتعلم حقيقة ما جاءت به الرسالة المحمدية التي من أهم أهدافها العدالة والمساواة وتذويب الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين بني البشر .

    وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها الوطن فإن التقارب بين جميع أفراد المجتمع هى أهم ثمار شهر رمضان المبارك لذلك جعل الإسلام من مبدأ التكافل الاجتماعي مصدرا وإحيــاء لرباط الأخوة في هذا المجتمع. قال تعالى"إنما المؤمنون أخوة " فلا أخوة بدون تكافل اجتماعي لبناء واستقرار الوطن الذي يسعنا جميعا لذلك ينبغي القول بأن كل فرد في هذا المجتمع لا يجب أن يشعر بالعزلة الاجتماعية أو يسعى إليها " بتصرفات وممارسات غير شرعية او قانونية ، لأنه من تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف التفاعل مع كل شرائح المجتمع ، بصرف النظر عن انتماءاتها السياسية والاقتصادية ، بشرط الالتزام بمبدأ لا ضرر ولا ضرار .

    ومن ثمة فإن مبادرة الرئيس عبد الفتاح السيسي لصرف منحة مالية للعمالة غير المنتظمة ، بقيمة 500 جنيه شهريا لمدة 3 شهور متتالية من خلال كارت إلكتروني يتم الصرف به شهريا عبر مكاتب هيئة البريد ، تأتي كمبادرة إيجابية لمساعدة متضرري فيروس " كورونا " بجانب قيام العديد من الجمعيات والمؤسسات الخيرية بإطلاق مبادرات لإعالة العديد من الأسر والأهم من كل ذلك ما يقوم به الكثير من أبناء شعبنا من القادرين بتوزيع شنط رمضان ، وما تتضمنه من سلع غذائية ، وزكاة مالها على المحتاجين والفقراء وبالتالي فإن كل هذه المبادرات من المتوقع أن تخفف من حد تأثير الفيروس على الطبقة محدودة الدخل .

    وبالطبع يتميز الشعب المصري ـ بصورة عامة ـ بحبه لفعل الخير ومساعدة المحتاجين والبحث عن أوجه التكافل المجتمعي، ولذلك نتمنى أن تنجح المؤسسات الخيرية والمؤسسات المجتمعية في تخصيص جزء من أموال الذكاة والصدقات التي تصل إليها للتوسع أكثر في إقامة مشروعات تنموية صغيرة ومتناهية الصغر بما يؤدي إلى مساعدة الأسر الفقيرة على تجاوز حدود الفقر، وخلق الآلاف من فرص العمل للشباب والأسر الفقيرة وأن يكون لديهم مصدر دخل مادي ثابت يساعدهم ويغنيهم بصورة نهائية عن الحاجة إلى المساعدة المالية وذلك بدلا من التركيز على التبرع  للمنشآت العلاجية والمستشفيات والتي أعتقد أنها تمتلك الأدوات والإعلانات والقدرة منذ سنوات للحصول على ما تريده من تمويل ، ونحتاج لمعرفة هل تتناسب نتائجها مع حجم التمويل الذي جمعته ، في حين لا تمتلك الكثير من الأسر " المحتاجة " لنفس هذه القدرة علاوة على أن إغناء الأسرة سيجعلها قادرة على توفير العلاج لأفراد العائلة .

    في النهاية نؤكد أن من أهم فضائل شهر رمضان أنه يساهم في تحقيق التكافل بين أفراد المجتمع وهذا يوثق العلاقات الاجتماعية بين الناس على مستوى الأسرة والعائلة والقرية والمدينة والدولة وعلى مستوى الأمة الإسلامية، وبذلك يتحقق المجتمع المتكافل الفاضل.

    ومن ثمة فإننا نأمل أن تثمر القيم الإيمانية وقيم الحب والأخوة والإيثار والتعاون ـ التي غرسها الصيام في المسلم خلال شهر رمضان ـ عن مجتمع مصري واحد مصداقا لقول رسولنا  محمد "صلى الله عليه وسلم " : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

    بقى أن نسأل الله في الشهر المعظم أن .. يتقبل منا الصلاة والقيام وصالح الأعمال ..

    اللهم اجعلنا من عتقاء شهر رمضان وبلغنا ليلة القدر..

    اللهم اررزقنى فيه رحمة الأيتام، وإطعام الطعام، وإفشاء السلام، وصحبة الكرام ..

    اللهم افتح لنا فيه أبواب الجنان، واغلق عنا فيه أبواب النيران، ووفقنا فيه لتلاوة القران ..

    اللهم اجعل لنا فيه ـ الى مرضاتك ـ دليلا، ولا تجعل فيه للشيطان علينا سبيلا، واجعل الجنة لنا منزلا ومقيلا..

    حمّل تطبيق جريدة عالم رقمي الآن