بقلم : خالد حسن
في عصرٍ باتت فيه البيانات هي النفط الجديد، والأمن السيبراني هو خط الدفاع الأول عن الدول، تخطو مصر خطوة استراتيجية حاسمة نحو تعزيز مفهوم " المواطنة الرقمية " و"سيادتها الرقمية" إذ تأتي هذه الخطوة عبر إطلاق منظومة التحقق البيومتري (سواء عبر بصمة الإصبع، أو الوجه، أو العين) والتوقيع الإلكتروني، والتي لا تمثل مجرد نقلة تكنولوجية لتسهيل الإجراءات، بل تعد ركيزة أساسية لحماية الأمن القومي المعلوماتي وبناء اقتصاد رقمي موثوق ومستدام.
وتُعرف "السيادة الرقمية" بقدرة الدولة على التحكم في بياناتها، وبنيتها التحتية التكنولوجية، وقراراتها الرقمية دون ارتهان لجهات خارجية ومن هنا، يمثل الاعتماد على منظومة وطنية للتحقق البيومتري والتوقيع الإلكتروني حائط صد منيع في وجه الهجمات السيبرانية وعمليات تزوير الهوية الرقمية اذ تضمن هذه المنظومة أن الهويات الرقمية للمواطنين والمؤسسات تخضع لإدارة وتأمين كامل داخل الحدود المصرية ووفقاً لأعلى المعايير العالمية. هذا التحصين التكنولوجي يقلل من مخاطر تسريب البيانات، ويمنع الاحتيال الإلكتروني، ويمنح الدولة السيطرة الكاملة على بيئتها المعلوماتية، مما يدعم استقلالها القرار التكنولوجي والسيادي.
فى هذا الاطار من المتوقع أن تشهد مصر طفرة غير مسبوقة في مسيرة التحول الرقمي وبناء مجتمع رقمي آمن ومستدام وذلك فى ضوء أطلاق الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بالتعاون بالتعاون مع هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات (إيتيدا) ومشغلي شركات المحمول، منظومة متكاملة للتحقق البيومتري والتوقيع الإلكتروني حيث تهدف هذه الخطوة لرقمنة الخدمات الحكومية والتجارية بالكامل، وتوفير بيئة موثوقة للمعاملات عن بُعد.
وتأتي هذه الشراكة لتضع حجر الأساس لمرحلة جديدة من الخدمات الحكومية والمصرفية الرقمية، بهدف تيسير حياة المواطن المصري وبناء ركائز السيادة الرقمية للدولة مع تيسير الخدمات وإنهاء البيروقراطية عبر تقديم حلول جذرية وعملية للمواطنين؛ حيث يتيح دمج تقنيات التحقق البيومتري مع التوقيع الإلكتروني إمكانية الهوية الرقمية الموثوقة.
وتعتمد محاور المنظومة الرقمية الجديدة على أربعة محاور أساسية أولها " الهوية الرقمية الموثوقة" اعتماد تقنيات البصمة الحيوية للتحقق من هوية المستخدمين بدقة ومنع التزوير ، ثانيا " حجية المعاملات القانونية " تفعيل التوقيع الإلكتروني كبديل قانوني كامل للتوقيع التقليدي في كل المعاملات ،ثالثا " تكامل منظومة الاتصالات " إتاحة الخدمات وتفعيل خطوط المحمول بشكل فوري وعن بُعد عبر منافذ الشركات والتطبيقات الذكية واخيرا " حماية البيانات الخصوصية " تطبيق أعلى معايير الأمن السيبراني لحماية بيانات المواطنين وسريتها.
وعلى الجانب الإنساني والخدمي، تضع هذه المنظومة حداً لمعاناة المواطن التقليدية مع الطوابير والمعاملات الورقية فلن يحتاج المواطن بعد اليوم إلى الانتقال بين المكاتب الحكومية أو مقار الشركات لإثبات هويته أو التوقيع على المعاملات الرسمية. بنقرة واحدة من هاتفه المحمول، يمكنه إتمام أصعب المعاملات القانونية والمصرفية والخدمية بأعلى درجات الأمان والسرعة حيث سيمتلك المواطن "مفتاحاً رقمياً" فريداً ومستحيلاً تزويره يتيح له هذا المفتاح الوصول إلى كافة خدمات "منصة مصر الرقمية" والخدمات البنكية والصحية بأعلى درجات الأمان.سواء كان المواطن يرغب في تجديد وثيقة رسمية، أو توثيق توكيل، أو فتح حساب بنكي، أو الحصول على خدمات الرعاية الصحية، فإن المنظومة تضمن وصول الخدمة لمستحقيها الفعليين بسرعة فائقة، وتمنع انتحال الشخصية، وتوفر بيئة خدماتية تتسم بالعدالة والشفافية المطلقة.
ولعل أمن المعلومات والسيادة الرقمية هى واحد من أهم ثمار هذه الشراكة اذ لا تقتصر أهميتها على تسهيل الإجراءات اليومية فحسب، بل تمتد إلى عمق الأمن القومي التكنولوجي. فبناء منظومة تحقق وطنية ومحلية تضمن حماية بيانات المواطنين داخل الحدود المصرية، وهو ما يُعرف بـ "السيادة الرقمية".
وفى تصورى أن هذا التوجه يحمي الاقتصاد الرقمي من التهديدات السيبرانية الخارجية، ويوفر بيئة استثمارية آمنة تمامًا للشركات المحلية والعالمية التي ترغب في التوسع في السوق المصري.تكامل المؤسسات لرسم المستقبليجسد هذا التعاون نموذجاً حياً للتكامل بين مؤسسات الدولة؛ حيث يدمج بين الدور التنظيمي والرقابي القوي للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، والخبرة الفنية والتكنولوجية العريضة التي تمتلكها هيئة "إيتيدا" في مجال التوقيع الإلكتروني وتطوير البرمجيات.
وفى اعتقادي أن هذا التناغم يضمن خروج المنظومة وفقاً لأعلى المعايير العالمية، لتصبح مصر نموذجاً إقليمياً رائداً في تقديم الخدمات الرقمية المؤمنة.إن إطلاق منظومة التحقق البيومتري والتوقيع الإلكتروني ليس مجرد تحديث تقني، بل هو قفزة نوعية نحو "مصر الرقمية"، تُعيد صياغة العلاقة بين المواطن والخدمات الحكومية على أسس من الثقة، والسرعة، والسيادة المطلقة.
كذلك بجانب ان منظومة " التوقيع الإلكتروني والتحقق البيومتري " تشكل محركاً هائلاً للكفاءة التشغيلية وخفض التكاليف الا أن من اهم عوائد هذا التحول بالنسبة للمواطن والشركات وقطاع الاعمال تتمثل فى " توفير الوقت والجهد" اللازم لإنهاء المعاملات الحكومية والبنكية في دقائق ودون الحاجة لزيارة المقرات بحيث يمكن إنجاز الإجراءات التي كانت تستغرق أياماً وأسابيع إلى ثوانٍ معدودة، مما يرفع من تنافسية الشركات المصرية في السوق العالمي علاوة على " تعزيز الشمول المالي " عبر تسهيل الوصول إلى الخدمات المصرفية الرقمية لجميع فئات المجتمع بجانب " فتح الباب لجذب الاستثمارات" من خلال بناء بيئة تشريعية وتقنية آمنة تشجع الشركات العالمية على التوسع في السوق المصري كما تسهم هذه البيئة الرقمية الآمنة في تحسين ترتيب مصر في مؤشرات سهولة ممارسة الأعمال؛ حيث يمكن للمستثمر الأجنبي تأسيس شركته وإدارتها دون الحاجة للوجود الفعلي في كل إجراء، مع ضمان حماية استثماراته وبياناته من أي اختراق.
بالاضافة الى " تقليل البيروقراطية" عبر التخلص التدريجي من المعاملات الورقية المعقدة والأرشفة التقليدية وبالنسبة للشركات ستمكن المنظومة من توقيع العقود، وإبرام الصفقات، وتقديم القوائم المالية، والتعامل مع الجهات الحكومية (مثل الضرائب والجمارك والاستثمار) بالكامل "عن بُعد" وبحجية قانونية مطلقة.
نؤكد أن إطلاق وتفعيل منظومة التحقق البيومتري والتوقيع الإلكتروني في مصر ليس ترفاً تكنولوجياً، بل هو قرار سيادي واقتصادي بامتياز إنها الخطوة التي ستنقل الدولة المصرية من مرحلة "رقمنة المعاملات" إلى مرحلة "بناء الثقة الرقمية الكاملة"، وهي الأساس الذي ستبنى عليه ثورة الذكاء الاصطناعي واقتصاد المستقبل، لتظل مصر دائماً في قلب العصر الرقمي الجديد، آمنة وقوية ومتطورة.
فى النهاية سيمثل تفعيل منظومة " التحقق البيومتري والتوقيع الإلكتروني "خطوة محورية نحو تحقيق رؤية "مصر الرقمية"، حيث لا يقتصر الأمر على تحديث التكنولوجيا، بل يمتد لصياغة مفهوم جديد للمواطنة يضمن لكل مواطن حق الوصول الآمن والسريع للخدمات، ويضع مصر في صدارة الدول التي تطبق أحدث نظم التحقق الرقمي في المنطقة.








