** ارتفاع إيرادات السوق العالمية لتكنولوجيا التأمين إلى نحو 19.1 مليار دولار خلال عام 2025 مقارنةً بـ 15.56 مليار دولار في 2024، وتوقعات بوصولها إلى 96.1 مليار دولار بحلول عام 2032
** طفرة خلال 2023/ 2024 في سوق صناعة التأمين المصرية وارتفاع قيمة صافي استثمارات شركات التأمين (أشخاص وممتلكات) إلى نحو 298.2 مليار جنيه مقارنةً بـ 208.8 مليارات جنيه في 2022/ 2023، بنسبة زيادة 42.8%
** المركز يؤكد: سوق التأمين المصرية سريعة التطور وتسير على النهج لمواكبة الاتجاهات العالمية في تبني التقنيات التكنولوجية ووضع الأطر التشريعية المُنظمة لها
كتب : رشا حجاج
أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تحليلاً جديداً حول "تكنولوجيا التأمين"، استعرض من خلاله مفهوم تكنولوجيا التأمين (InsurTech)، ودورها في تعزيز وتطوير سلسلة القيمة لصناعة التأمين، بالإضافة إلى مراحل تطور السوق العالمية لتكنولوجيا التأمين، وأبرز الشركات العالمية في هذا المجال، كما استعرض الجهود الحكومية المصرية نحو تبني تكنولوجيا التأمين.
أوضح التحليل أن التأمين يُعد أحد الخدمات المالية التي تهدف إلى توفير الحماية من المخاطر المحتملة، من خلال تعويض الخسائر المالية الناتجة عن مخاطر محددة مقابل قسط يدفعه المؤمن عليه، مضيفاً أن قطاع التأمين لم يعد بمنأى عن ثورة الابتكار التكنولوجي التي يشهدها الاقتصاد العالمي. إذ أصبحت التقنيات الحديثة؛ مثل: الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، وتحليل البيانات الضخمة أدوات رئيسة لإعادة تشكيل طبيعة الأعمال التقليدية، مما يفتح المجال أمام خدمات أكثر سرعة ومرونة وملاءمة لاحتياجات العملاء بقطاع التأمين.
وتعني تكنولوجيا التأمين (InsurTech) توظيف التقنيات الحديثة في الأجهزة والبرمجيات بهدف معالجة أوجه القصور أو استغلال الفرص داخل سلسلة القيمة في قطاع التأمين؛ حيث تعتمد بشكل أساسي على التكنولوجيا والبيانات والتحليلات المتقدمة، بهدف إحداث تحول أو تغيير جوهري في ثلاثة محاور رئيسة وهي (العلاقة بين شركات التأمين وعملائها، وأتمتة العمليات التشغيلية بما يساعد على رفع الكفاءة ويقلل من تكلفة المعاملات، وتطوير المنتجات التأمينية سواء من خلال تعديل النماذج التقليدية أو ابتكار منتجات جديدة تلبي المتطلبات المتغيرة بصناعة التأمين).
ولفت التحليل إلى تعدد تقنيات تكنولوجيا التأمين المُستخدمة من قبل شركات التأمين، والتي غيرت من هيكل وطبيعة صناعة التأمين التقليدية ذاتها، ومن أبرزها:
1- الذكاء الاصطناعي:
-الاكتتاب: أصبح الذكاء الاصطناعي أداة رئيسة في عمليات الاكتتاب، نظرًا لقدرته على توفير مجموعة كبيرة من البيانات وتحليلها، بما يمكن من التنبؤ بمستقبل الاكتتاب، وحساب الأقساط التأمينية بشكل أدق، وبالتالي تقليل الخسائر لدى شركات التأمين، ومن الأمثلة على ذلك التأمين على الحياة؛ ففي الاكتتاب التقليدي للتأمين على الحياة، يتم طرح أسئلة على العميل بهدف تقدير الأحداث المستقبلية في حياة المؤمن عليه، وبناءً عليه تحديد سعر وثيقة التأمين.
-التعويضات: أصبح الذكاء الاصطناعي يحل تدريجيًّا محل الأساليب التقليدية في إدارة التعويضات؛ حيث يوفر سرعة أكبر ودقة أعلى في فحص طلبات التعويضات المقدمة من جانب العملاء، بما يعزز من قدرات كشف الاحتيال، فعلى سبيل المثال؛ تساعد التطبيقات الذكية في طرح أسئلة عامة على حامل الوثيقة لجمع المعلومات الأساسية عن الأصل المؤمن عليه، وتوفر للعميل إمكانية استخدام كاميرات الهاتف المحمول من أجل توثيق الأدلة، مما يتيح للنظام التعرف بدقة على العنصر المتضرر دون الحاجة إلى ملء استمارة طلب التعويضات بشركة التأمين.
-التواصل مع العملاء: توفر تطبيقات الذكاء الاصطناعي أنظمة لمحاكاة خدمة العملاء، بما يمكنها من التواصل مع العملاء الحاليين والجدد بشركات التأمين عبر توفير آلية للمحادثات المباشرة وتقييم احتياجاتهم، وكذلك تحديد المنتجات التأمينية الأنسب لحالة كل عميل.
2- تقنية السجلات الموزعة (DLT): وهي التقنية التي تقوم عليها البلوك تشين، وتعمل على توفير نهج للتخزين والتحديث الرقمي لسجلات المعاملات عبر عقدة من الشبكات، ومن أبرز أهداف استخدام تلك التقنية في صناعة التأمين هو تحسين عمليات التسعير ودفع التعويضات.
3- البيانات الضخمة: باتت البيانات الضخمة موردًا أساسيًّا يعزز مرونة نماذج التأمين التقليدية، من خلال تقنيات أجهزة القياس عن بُعد، وإنترنت الأشياء، والأجهزة القابلة للارتداء، وذلك كالتالي:
- أجهزة القياس عن بُعد (Telematics): عززت تقنية أجهزة القياس عن بُعد من تنبؤ شركات التأمين باحتمالية وقوع الحادث، فعلى سبيل المثال؛ اعتادت شركات التأمين بدون تلك التقنية في حالة التأمين على السيارات الاعتماد على مؤشرات عامة؛ كعمر المؤمن عليه والجنس، والمنطقة السكنية، ونوع السيارة، وسجل التعويضات السابق التي حصل عليها المؤمن عليه من شركات التأمين. في المقابل، تتيح أجهزة القياس عن بُعد -من خلال الأجهزة المرتبطة بها- جمعَ بيانات دقيقة عن سلوك القيادة للمؤمن عليه؛ مثل: الموقع، ومواعيد القيادة، وعدد مرات الاستخدام، ومسافات القيادة، مما يسمح ببناء نموذج تسعير أكثر دقة، ويعكس المستوى الحقيقي للمخاطر لكل فرد.
- إنترنت الأشياء (IOT): هو عبارة عن شبكة من الأجهزة المادية المزودة بمستشعرات واتصال رقمي، قادرة على جمع البيانات ومشاركتها؛ مثل: مراقبة جودة المياه والهواء في المنازل الذكية. وعليه، تساعد تلك الأجهزة شركات التأمين على إدارة المخاطر بشكل استباقي؛ مثل: تنبيه المؤمن عليه عبر بيانات فورية من المستشعرات بوجود تسريب في المياه بالمنزل على سبيل المثال قبل حدوث الضرر.
- الأجهزة القابلة للارتداء (Wearable Technology): توفر الأجهزة القابلة للارتداء بيانات حيوية متنوعة أثناء ممارسة الأنشطة البدنية؛ مثل: عدد الخطوات، ومدة الجلوس، كما يمكنها قياس مؤشرات كمعدل ضربات القلب وضغط الدم، بالإضافة إلى تتبع عدد ساعات النوم وجودته، وقياس درجة حرارة الجسم، وتمنح هذه البيانات شركات التأمين قدرة أكبر على فهم الأسباب الصحية والسلوكية الكامنة وراء حالة المؤمن عليه، وبالتالي بناء نماذج تسعير أكثر دقة.
استعرض التحليل المراحل الأساسية التي مرت بها السوق العالمية لتكنولوجيا التأمين، منذ عام 2010 إلى يومنا هذا، وهي كالتالي:
- المرحلة الأولى (2010 -2015): قبل ظهور رواد شركات تكنولوجيا التأمين، اتجهت شركات التأمين الكبرى (وأبرزها شركات AXA، وAllianz، وState Farm) إلى اتباع نهج "افعلها بنفسك" (DIY) في التحول الرقمي دون الاعتماد على الشركات الناشئة الخارجية؛ حيث تميزت تلك المرحلة بتوجيه استثمارات ضخمة في بناء حلول رقمية داخلية.
- المرحلة الثانية (2015 - 2020): شهدت صناعة التأمين خلال تلك الفترة إنشاء شركات تكنولوجيا التأمين التي أحدثت تحولًا جذريًّا في صناعة التأمين والدخول في منافسة مباشرة مع شركات التأمين التقليدية؛ حيث لم تقتصر تلك الشركات على بيع منتجات التأمين فحسب، بل طورت التكنولوجيا والبنية التحتية لإدارة دورة حياة التأمين بالكامل بدايةً من الاكتتاب ووصولًا إلى معالجة التعويضات، ومن أبرز هذه الشركات (Lemonade و Root و Zhong An و Oscar)، والتي قدمت ابتكارات؛ مثل: الاكتتاب الآلي، واعتماد نماذج لتسعير الوثائق التأمينية بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي، مما دفع شركات التأمين التقليدية إلى تسريع جهودها في التحول الرقمي وتبني نماذج تعتمد على التكنولوجيا.
- المرحلة الثالثة (2021 -2024): شكلت جائحة كورونا في تلك المرحلة عاملًا محفزًا لتغيير استراتيجيات شركات التأمين التقليدية؛ حيث انتقلت من المنافسة المباشرة إلى التعاون مع شركات تكنولوجيا التأمين (Insurtech)، ففي عام 2021 عقد ما يزيد على 60% من كبار شركات التأمين شراكات أو استثمارات بمجال تكنولوجيا التأمين.
- المرحلة الرابعة (منذ عام 2025 حتى الآن): في ظل الابتكار وزيادة توجه الشركات نحو تقنيات تكنولوجيا التأمين، فمن المتوقع أن تحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) والحوسبة الكمية (Quantum Computing) ثورة في صناعة التأمين، من خلال فتح آفاق جديدة لإيجاد قيمة مضافة وتغيير جذري في كيفية تقييم وإدارة المخاطر، مما يمكن شركات التأمين من تحليل ومعالجة كميات هائلة من البيانات في الوقت الفعلي.
أوضح التحليل أن إيرادات السوق العالمية لتكنولوجيا التأمين ارتفعت خلال عام 2025، ليصل إلى نحو 19.1 مليار دولار، مقارنةً بـ 15.56 مليار دولار في عام 2024، ومن المتوقع أن يواصل النمو بمعدل نمو سنوي مركب قدره 26% خلال الفترة (2025 - 2032)، ليصل إلى 96.1 مليار دولار بحلول عام 2032.
ووفقًا لتقرير شبكة التلفزيون الأمريكية (CNBC) بالتعاون مع شركة أبحاث السوق (Statista)، بعنوان "أكبر شركات التأمين في العالم لعام 2024"، والصادر في 6 أغسطس 2024، والذي تضمن أكبر 150 شركة تكنولوجيا تأمين على مستوى العالم، فإن الولايات المتحدة الأمريكية هي أكبر سوق لتكنولوجيا التأمين حول العالم، مع وجود 69 شركة من أكبر شركات التكنولوجيا التأمينية العالمية في عام 2024، تليها المملكة المتحدة بعدد 20 شركة، ثم الهند 11 شركة.
وأشار التحليل إلى امتلاك مصر سوقًا واعدة لصناعة التأمين، وأن هذه السوق شهدت طفرة خلال العام المالي 2023/ 2024، نتيجة ارتفاع قيمة صافي استثمارات شركات التأمين (أشخاص وممتلكات) لتصل إلى نحو 298.2 مليار جنيه مقارنةً بـ 208.8 مليارات جنيه في العام المالي 2022/ 2023، بنسبة زيادة بلغت حوالي 42.8%، متجاوزة بذلك متوسط معدل النمو السنوي لصافي استثمارات شركات التأمين خلال الأعوام المالية منذ يونيو 2019، والبالغ نحو 17%.
هذا إلى جانب، تضاعف فائض النشاط التأميني لشركات التأمين (أشخاص وممتلكات) خلال العام المالي 2023 /2024، ليبلغ نحو 14.6 مليار جنيه، بنسبة ارتفاع بلغت 49% مقارنةً بالعالم المالي 2022/ 2023، البالغ نحو 9.8 مليارات جنيه، وهو أعلى معدل نمو سنوي خلال الأعوام المالية منذ يونيو 2019.
وفي إطار هذا النمو السريع، تسعى مصر إلى مواكبة التطورات العالمية بمجال تكنولوجيا التأمين من خلال جهود وقرارات الهيئة العامة للرقابة المالية في هذا الشأن، فضلًا عن ظهور شركات متخصصة في تكنولوجيا التأمين، ومن أبرز ملامح سوق تكنولوجيا التأمين في مصر ما يلي:
1- أبرز جهود وقرارات الهيئة العامة للرقابة المالية لتعزيز تكنولوجيا التأمين:
- إصدار القرار رقم 267 لسنة 2024، والمعدل للقرار رقم 122 لسنة 2015، بشأن تنظيم إصدار وتوزيع بعض وثائق التأمين النمطية إلكترونيًّا عبر شبكات نظم المعلومات، ليتم تطبيق القرار بمرحلة أولية تشمل إصدار وثائق التأمين التكميلي للسيارات الجديدة إلكترونيًّا، على أن يتوسع فيما بعد ليشمل أنواعًا أخرى من الوثائق وفقًا لاحتياجات السوق.
- إصدار القرار رقم 163 لسنة 2024، بإنشاء وتشغيل مختبر تنظيمي للتطبيقات التكنولوجية يسمح لمزاولي الأنشطة المالية غير المصرفية باستخدام التكنولوجيا المالية، وإجراء اختبارات على تطبيقات التكنولوجيا المالية المبتكرة.
- إصدار قانون التأمين الموحد رقم 155 لسنة 2024، ليجسد رؤية شاملة لتطوير قطاع التأمين في مصر، من خلال إرساء إطار تشريعي موحد ينظم مختلف أنشطة التأمين وإعادة التأمين وصناديق التأمين الخاصة، كما أدخل القانون أدوات جديدة تتعلق بالتحول الرقمي والتكنولوجيا المالية، مما يتيح لشركات التأمين إصدار وتوزيع الوثائق إلكترونيًّا.
- إصدار القرار رقم 139 لسنة 2023، والمتعلق بمتطلبات التجهيزات والبنية التكنولوجية وأنظمة المعلومات، بالإضافة إلى وسائل الحماية والتأمين الضرورية، وذلك بهدف تمكين استخدام التكنولوجيا المالية في مزاولة الأنشطة المالية غير المصرفية.
- إصدار القرار رقم 140 لسنة 2023، بشأن الهوية الرقمية والعقود الرقمية والسجل الرقمي، بالإضافة إلى تنظيم مجالات استخدام التكنولوجيا المالية في مزاولة الأنشطة المالية غير المصرفية ومتطلبات الامتثال.
- إصدار القرار رقم 141 لسنة 2023، الخاص بإنشاء سجل لخدمات التعهيد في مجالات التكنولوجيا المالية المرتبطة بمزاولة الأنشطة المالية غير المصرفية.
- إصدار القانون رقم 5 لسنة 2022، بهدف تنظيم استخدام التكنولوجيا المالية في تقديم الخدمات المالية غير المصرفية، ليصبح إطارًا تشريعيًّا متكاملًا يتيح استخدام التطبيقات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة في قطاعات؛ مثل: التأمين، والتمويل الاستهلاكي، والتأجير التمويلي، والتخصيم.
- إطلاق أول منصة إلكترونية لتبادل بيانات ومعلومات شركات التأمين بين الهيئة العامة للرقابة المالية والاتحاد المصري للتأمين في 20 مايو 2018، لتصبح المنصة بمثابة اللبنة الأولى في طريق إنشاء أول قاعدة بيانات متكاملة لأنشطة التأمين المختلفة.
2- أمثلة على شركات تكنولوجيا التأمين في مصر: شركة "EG Insurtech"، وهي شركة مصرية متخصصة في خدمات تكنولوجيا التأمين، وتعمل على توفير خدمات تكنولوجية تشمل: معاينة السيارات، وإدارة التعويضات التأمينية، وإصدار وثائق التأمين رقميًّا، توصيل وثائق التأمين للعملاء، التحول الرقمي للتمويل والتأمين متناهي الصغر، خدمات دعم الطريق، تقييم الأضرار عبر الذكاء الاصطناعي، تسعير المركبات.
وبالتالي، فإن سوق التأمين المصرية سريعة التطور، وتسير على النهج المناسب لمواكبة الاتجاهات العالمية في تبني التقنيات التكنولوجية الحديثة ووضع الأطر التشريعية المُنظمة لها، بما سيفتح المجال أمام صناعة التأمين لتشهد تطورات سريعة فيما تقدمه من منتجات تأمينية وخدمات رقمية خلال الفترة المقبلة.
أوضح التحليل في ختامه أن تكنولوجيا التأمين (Insurtech) هي مجال واعد لتغيير مشهد صناعة التأمين التقليدية بالكامل، ومع التطوير السريع والمستمر في الابتكارات الرقمية، لم يُعد الخيار أمام شركات التأمين مواكبة هذا التطور فحسب، بل أصبح من الضرورة أن تتبنى تلك الشركات نهجًا مبتكرًا ومستدامًا في تصميم منتجاتها وتطوير حلولها التقنية.








