تحت شعار طاقة نظيفة وباسعار معقولة : العالم العربي تعزيز الاستفادة من تقنيات الطاقة الشمسية والطاقة المتجددة " الثروة النفيطة المستقبلية "

  • الوكالة الدولية للطاقة :ارتفاع الطاقة المولدة عالميًا من مصادر الطاقة المتجددة بأكثر من 50% عام 2024

    "ماكنزى " مشاركة الفحم والنفط والغاز في توليد الطاقة العالمية ستنخفض إلى 74% عام 2050

    كتب : نيللي علي - نهله مقلد

    يتجه مستقبل الطاقة في العالم نحو المصادر المستدامة المراعية للبيئة، مع التخلي تدريجيًا عن الوقود الأحفوري المستَنفد الذي يتسبب بكميات ضخمة من الانبعاثات الكربونية وزيادة الاحترار العالمي، وذلك في إطار التزام الدول بالهدف السابع من جدول أعمال 2030 للتنمية المستدامة: طاقة نظيفة وبأسعار معقولة، واتفاقية باريس للمناخ للحد من الاحترار العالمي ليبقى بقيمة لا تزيد عن درجتين مئويتين فوق مستوى ما قبل العصر الصناعي. ولهذا تتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن ترتفع الطاقة المولدة عالميًا من مصادر الطاقة المتجددة بأكثر من 50% بحلول العام 2024 بالمقارنة مع مستوى العام 2019، لتبلغ نحو 1200 جيجاواط، وهذا يعادل إجمالي الطاقة المولدة في الولايات المتحدة الأمريكية اليوم.

    وتتوقع الوكالة أن ينتج معظم هذا التزايد من الطاقة الشمسية الكهروضوئية بنسبة 60%، ثم الطاقة الناتجة عن عنفات الرياح بنسبة 25%. وعلى صعيد الطاقة الشمسية الكهرضوئية، سيتوزع مصدر الارتفاع في طاقة التوليد بين محطات الطاقة الشمسية الكهروضوئية للمرافق العامة بنسبة 65%، ونظم الطاقة الكهروضوئية الموزَّعةَ (المنزلية) التي ستنمو الطاقة التي تولدها بنسبة 250% خلال هذه الفترة لتصل حصتها إلى نحو 35% من الطاقة الشمسية الكهرضوئية المولدة بحلول العام 2024.

    لكن هذا لا يعني أن العالم سيحصل على معظم طاقته من مصادر الطاقة المتجددة في وقت قريب، بل سنشهد نموًا مضطردًا بطيئًا لحصة مصادر الطاقة المتجددة حتى العام 2050 وما بعده، إذ تقدر شركة ماكنزي للأبحاث أن مشاركة الفحم والنفط والغاز في توليد الطاقة العالمية ستنخفض إلى 74% في العام 2050 مقارنة بنسبة 82% في العام 2016.

    لكن يجب أن نضع في الحسبان أن هذه التوقعات تمثل الحد الأدنى للتفاؤل باستخدام الطاقات المتجددة في المستقبل، إذ قد تحدث اختراقات تقنية -على مستوى تقنيات التوليد والبطاريات- تزيد الكفاءة وتخفض التكلفة فتسرّع التوجه نحو الطاقات المتجددة، خاصة أن 25% الطلب على الطاقة المتجددة في المستقبل سيتوجه إلى توفير احتياجات الطاقة لوسائل النقل الكهربائية المستقبلية من سيارات وطائرات وقطارات ودراجات، وهذا منطقي جدًا، فما الفائدة أن يطور العالم وسائل نقل كهربائية إن كان سيزودها بطاقة كهربائية مولدة من حرق الوقود الأحفوري؟

    الطاقة المتجددة

    على الرغم من أن المنطقة العربية تضم أكبر احتياطات العالم من النفط والغاز، فإن فيها أيضًا أضخم الإمكانيات الكامنة لاستغلال الطاقات المتجددة وإنتاجها، وعلى رأسها الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، لكن إمكاناتها الكامنة في مجال الطاقة الشمسية التي تسقط على صحاريها الشاسعة أعلى بكثير، ففي الجزيرة العربية صحراء واسعة تبلغ مساحتها 2.33 مليون كيلومتر مربع (في دول الخليج العربي واليمن والعراق والأردن). وتقع معظم مساحة الصحراء الكبرى التي تبلغ 9.6 مليون كيلومتر في شمال إفريقيا ضمن الدول العربية: مصر، السودان، تونس، ليبيا، الجزائر، المغرب، موريتانيا، وهي مساحات تسطع فيها الشمس بمعدلات تتراوح بين 250 إلى 330 يوم سنويًا، ما يعني أنها قادرة على توليد مئات من الجيجاواطات الساعية من الطاقة سنويًا، إن أحسن استغلالها.

    المشاريع العربية الحالية

    يشير بحث نشر في مجلة ساينس إلى أن نشر مزارع الرياح والطاقة الشمسية على نطاق واسع في الصحراء الكبرى، بإمكانه توفير للعالم كل الطاقة التي يحتاجها مع مضاعفة كمية هطول الأمطار وزيادة الغطاء النباتي وتحسين سبل المعيشة في الأراضي الجافة. وعلى الرغم من أن هذه الدراسة تعتمد على محاكاة نظرية صرفة، إلا أن الواقع أن معظم الدول العربية بدأت منذ وقت طويل في دراسة مشاريع الطاقة المتجددة، وحققت تقدمًا ملحوظًا في مجال مشاريع الطاقة الشمسية المخصصة للمرافق العامة خلال العام 2019. واليوم لا توجد دولة عربية تقريبًا إلا وأصبح لديها محطات من هذا النوع، وتخطط لمزيد منها في المستقبل. فدولة الإمارات العربية المتحدة مثلًا، تنفذ مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية، الذي يسهم في تعزيز التنمية المستدامة في دبي، ويدعم استراتيجية دبي للطاقة النظيفة 2050 لتوفير 75% من إجمالي طاقة دبي من مصادر الطاقة النظيفة بحلول العام 2050.

    وتسعى السعودية إلى وصول إنتاجها من الطاقة النظيفة إلى 27 جيجاواط بحلول العام 2024؛ منها 20 جيجاواط من الطاقة الشمسية. وتعمل مصر على إنجاز مشروع يسمى «شموس النوبة» في مجمع بنبان للطاقة الشمسية في محافظة أسوان، وتصل استطاعته إلى 186 ميجاواط. ويعمل المغرب على الوصول إلى توليد 52% من احتياجاته من الطاقة من مصادر الطاقة المتجددة بحلول العام 2030، ولديه حاليًا محطة شاسعة لإنتاج الطاقة الشمسية في بلدة ورزازات على أطراف الصحراء الكبرى، ربما تسهم في تحديد ملامح مستقبل الطاقة في العالم. وهذه أمثلة من قائمة طويلة من المشاريع القائمة والتي يجري تنفيذها في هذا المجال في المنطقة ما سيجعل الدول العربية على المستوى العالمي في هذا المجال خلال الأعوام الخمسة المقبلة.

    والواقع أن توجه الدول العربية إلى الاعتماد على الطاقة المتجددة لا يأتي من مجرد حرصها على البيئة، وإن كان هذا أحد أهم أهدافها -خاصة أنها أكثر الحلول المناخية عملية وسرعة وسهولة في التطبيق، بل يحفزه أيضًا أن توليد الطاقة بالاعتماد على الطاقات المتجددة أصبح اليوم أكثر اقتصادية بعد انخفاض تكلفة إنتاجها، فضلًا عن أنه يوجد فرص عمل جديدة للشباب، ويوفر استهلاك المياه التي تعاني المنطقة من شحها.

    ويؤدي ذلك في المحصلة إلى انخفاض كبير في أسعار الكهرباء الناتجة عن الطاقة الشمسية في المنطقة، وزيادة المستثمرين في شركات الطاقة المتجددة، وتوسع أعمال الخدمات والصيانة في مجال تقنيات الطاقة الشمسية، وإطلاق برامج أكاديمية جديدة عن الطاقة الشمسية وتقنيات الطاقة المتجددة الأخرى في الجامعات ومعاهد التعليم العالي.

    الطاقة الكهروضوئية

    كما ذكرنا في البداية أن نظم الطاقة الكهروضوئية الموزَّعةَ (المنزلية) سيولد نحو 35% من الطاقة الكهرضوئية الإضافية بحلول العام 2024 على مستوى العالم، لكن المدن العربية ما زالت حتى الآن بطيئة في اعتماد هذه النظم والتوسع بها، وتتأخر عن دول أخرى نجحت في هذا المجال مثل ألمانيا، إذ يتطلب ذلك إقرار نظم قانونية واعتماد نظم كهربائية جديدة، مع تشجيع المواطنين والقطاع الخاص على التوجه نحو تلك النظم، وتوفير القروض والمحفزات لهم للاستثمار فيها، وإيجاد حلول مبتكرة لتصميم المنازل للاستفادة من هيكلها في تركيب أجهزة الطاقة المتجددة ودمجها، والاستثمار بصورة أكبر في صناعة البطاريات لتخزين كهرباء الطاقة الشمسية.

    أما النموذج الأنصع عربيًا في هذا المجال حاليًا، فهو مبادرة شمس دبي (2014) التي تشكّل جزءًا من برنامج إنتاج الطاقة المتجدّدة المتّصلة بشبكة التوزيع في دبي. وتهدف إلى تشجيع أصحاب المباني والمنازل لتركيب لوحات كهروضوئية على الأسطح لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية وربطها بشبكة الهيئة. واستهلاك الطاقة المنتجة محليًا داخل المبنى مع تصدير الفائض إلى شبكة الهيئة.

    المواطن وتوليد الطاقة

    وتنفذ مصر مشروعًا مشابهًا، إذ أقر مجلس الوزراء نظام تعريفة التغذية الكهربائية في شهر سبتمبر 2014 لتشجيع إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة، ومنها الطاقة الشمسية، ويمنح هذا النظام المواطنين الحق في توليد الطاقة الكهربائية باستخدام ألواح شمسية تثبت على أسطح منازلهم، ونقل هذه الطاقة إلى الشبكة المركزية من خلال الشركة المصرية لنقل الكهرباء، حتى تشتريها الحكومة المصرية التي حددت أسعار الشراء ضمن نظام تعريفة التغذية الكهربائية.  وسعت الحكومة المصرية إلى توليد نحو 2000 ميجاواط من الطاقة الشمسية خلال المرحلة الأولى من هذا المشروع التي امتدت بين عامي 2015 و2017.

    وقالت دراسة أعدها مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية أن لنظم الطاقة الشمسية الكهروضوئية الموزعة التي تركب على الأسطح دور مهم في مزيج الطاقة للمدن المستدامة، ووجدت أن الحد الأعلى لأنظمة الطاقة الكهرضوئية التي يمكن تركيبها في مدينة الرياض – عاصمة المملكة العربية السعودية- تقدر بنحو 4.34 جيجاواط، ويساوي ذلك 22% من حمل الذروة في المنطقة الوسطى للمملكة، وتبلغ نحو 9% من احتياجات الطاقة الإجمالية لهذه المنطقة.

    تقنيات متعددة

    معروف أن تقنية الألواح الشمسية ليست الأسلوب الوحيد للاستفادة من الطاقة الشمسية التي تغمر الأراضي والصحاري العربية، بل توجد تقنيات متعددة أخرى، أهمها تقنية الطاقة الشمسية المركزة، أو الطاقة الحرارية الشمسية، التي تستخدم عدسات أو مرايا لتركيز بقعة كبيرة من ضوء الشمس أو الطاقة الشمسية الحرارية على مساحة صغيرة، ثم تحويل الضوء المركز إلى حرارة تشغل محركا حراريًا موصولًا بمولد للطاقة لتوليد الكهرباء. لكن مهما كانت التقنية المستخدمة للاستفادة من الطاقة الشمسية في الصحاري العربية، فإن تلك الطاقة كافية لسد احتياجات الدول العربية وتصديرها إلى دول العالم، وخصوصًا إلى أوروبا عبر خطوط نقل طاقة، أو عبر تخزينها في بطاريات أولًا، ثم شحنها إلى مواقع استهلاكها (كما تشحن براميل النفط اليوم من مواقع الإنتاج إلى مواقع الاستهلاك)، وهو ما يتطلب الاستثمار في تطوير تقنية البطاريات لزيادة كفاءتها وسلامتها، ما سيفيد كذلك في توفير وسيلة عالية الكفاءة لتخزين الطاقة المتجددة من النظم المنزلية، ويدعم مدى سير السيارات الكهربائية في جميع أنحاء العالم. (هل نرى تسلا عربية جديدة؟)

    والواقع أن فكرة نقل الطاقة الشمسية من الصحاري العربية ليست جديدة، ففي العام 2003 وضع نادي روما المعني بالشؤون السياسية العالمية، فكرة مشروع ديزيرتك، وتسعى الفكرة لسد حاجة دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح أولًا، ثم تصدير هذه الطاقة إلى أوروبا أيضًا من تلك الدول. وبناء على تقديرات مركز الفضاء والطيران الألماني، يجب استثمار نحو 400 مليار دولار حتى عام 2050 للتمكن من تغطية 15 % من حاجة أوروبا من الكهرباء بالاعتماد على الطاقة الشمسية. ومع أنه يبدو مبلغ كبير نسبيًا، لكن الاستثمار في محطات توليد الكهرباء باستخدام الطاقة الشمسية وتكاليف تشغيلها ستكون أقل كثيرًا من تكاليف محطات توليد الكهرباء باستخدام الوقود الحفري. ويرى الخبراء أن نقل الطاقة إلى أوروبا ليس صعبًا على شكل تيار مستمر وأن الخسائر في الطاقة أثناء نقلها أقل مما يحدث في خطوط التوتر العالي.

    حمّل تطبيق جريدة عالم رقمي الآن