بقلم : خالد حسن
كتبت فى نفس هذا المكان - منذ 15 عام - أنه فى عصر العولمة باتت ظاهرة استغلال الاطفال والمراهقين عبر الانترنت واقعا ملموسا يعانى منها الملايين من الاطفال الذين يستخدمون الانترنت دون أن يكون لديهم الوعى والدراية الكافية بكيفية التعامل مع الغرباء وبروتوكول استخدام الشبكة فى حين يجنى بعض العصابة الاجرامية من وراء هذه التجارة مليارات الدولارات الأمر الذى دعى البعض للقول أن تثقيف الأطفال بشأن الاستغلال الجنسي "واجب لا تقل أهمية عن تقديم الطعام يومياً إلى الأطفال كي يتمكنوا من البقاء".
وخلال تواجدى فى العاصمة الصينية باكين أصدرت حكومة اقليم تشونج كنج في جنوب غرب الصين قانونا يمنع الكبار من الاطلاع على ما تحويه كومبيوترات اليافعين وأجهزة التليفون المحمولة و يحظر القانون على الكبار، بمن فيهم افراد العائلة، التطفل أو التلصص على مراسلات البريد الالكتروني لأبنائهم وبناتهم من اليافعين أو رسائلهم النصية أو دردشاتهم على الانترنت أو تاريخ ما تصفحوه على الشبكة.
ورغم ان الصين ، والتى تمتلك أكبر قاعدة لمستخدمى الانترنت ولديها اكثر من 120 مليون مراهقا يستخدم الانترنت ، معروفة بإجراءاتها المشددة لرقابة الانترنت ، بذريعة حماية الأخلاق العامة والحفاظ على الأمن القومى ، إلا أن هذا القانون يعتبر غير مسبوق على مستوى العديد من دول العالم ، المتقدم والنامى ، اذ أنها المرة الأولى الذى يكون هناك قانون يجرم الآباء عند قيامهم بمراقبة أبناءهم أثناء استخدام الانترنت او التليفون المحمول الأمر الباب أمام التوعية بثقافة الاستخدام الأمثل للكمبيوتر بدلا من إتباع أسلوب الرقابة الأمنية لجميع ممارسة الأبناء .
وبالطبع فأن الجيل الجديد من الأبناء أصبح ، بحكم الواقع والاحتكاك ، أكثر خبرة من الإباء فى عمليات استخدام الكمبيوتر والانترنت والتليفون المحمول ومن ثمة فهم اقدر على إخفاء البيانات والمعلومات التى لا يريدون إطلاع احد عليها ، وبصفة خاصة آبائهم ، ومن ثمة فأن البديل العملى لذلك يجب ان يتم من خلال غرس ثقافة الاستخدام الأمثل للوسائل الالكترونية بحيث يمارس الأبناء نوع من الرقابة الذاتية على أنفسهم وذلك على قناعة منهم بضرورة تعظيم الفائدة من الأدوات التكنولوجية لتطوير مهاراتهم الشخصية .
كل ما سبق كانت هى رؤيتنا الطموحة او نظرتنا الى العالم الرقمي " اللطيف و الجميل " ، منذ 15 عام ، ولكن للاسف بمرور الوقت اصيح اطلاق العنان لاطفالنا لاستخدام الأدوات التكنولوجية ، والاجهزة المحمولة او الدخول على شبكات التواصل الاجتماعى العالمية بمختلف انواعها او ممارسة الالعاب الالكترونية ، هو اكبر كابوس يهدد أطفالنا ويضعهم فى مواجهة مخاطر وتهديدات الكترونية أكبر بكثير من خبراتهم او قدراتهم على تجنب مخاطرها النفسية والانسانية والاجتماعية .
فى البداية يجب أن نعترف أن غالبية الأباء والأمهات يتطلعون الى تحسين قدرات ابنائهم الرقمية بما يتواكب مع المتغيرات العالمية نحو العصر الرقمي فنجدهم يحرصون على توفير كافة الأدوات التكنولوجية لابنائهم بداية من الكمبيوتر " المكتبى و المحمول أو اللوحي ، مرورا بالانترنت فائق السرعة وصولا الى أحدث اجهزة الهواتف المحمولة المزودة بالانترنت والشاشة الكبيرة الا انه فى ظل هذا الزخم الكبير واللهث وراء التكنولوجيا تغافل الكثير من الأباء عن غرس ثقافة الاستخدام الامثل لهذه الادوات التكنولوجية من جانب ابنائهم وترك الباب مفتوح على مصراعيه امام الأولاد للتعايش الكامل والمطلق مع هذه الأدوات وجعلهم فريسة سهلة لخدع منصات التواصل الاجتماعي العالمية بدون أى ضوابط او إرشادات تساعدهم على التعامل الأمن والتفاعل الايجابى مع هذه الأدوات الجديدة عليهم وتجبب أساليب التحايل والإغراءات المنتشرة على هذه المنصات.
وبمرو الوقت لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرّد وسيلة ترفيهية للأطفال، بل تحوّلت عند الكثيرين من أطفالنا إلى ما يشبه الإدمان اليومي، وباتت أعراض هذا الإدمان تقلق الأهالي وتربك الحياة الأسرية، إذ يقضي الأطفال ساعات طويلة أمام الشاشات مما يؤدي إلى انفصال تدريجي عن الواقع، حتى أصبح سحب الهاتف من الطفل أزمة بحد ذاتها ويثير الكثير من حالات عدم الرضا والغضب بل والثورة احيانا ضد قرار منعه من استخدام هاتفه المحمول .
إلا أن العالم بدأ يستيقظ ، مؤخرا ، على واقع مرير مع تكرار مشاهد الاطفال وهم ينتحرون من جراء التحديدات التى يمارسونها على العديد من شبكات التواصل الاجتماعى ناهيك عن إدمان الالعاب الالكترونية بشكل أصبح يكاد يشبه إدمان المخدرات بل بات من الصعب آن يتعايش أطفالنا مع حياتهم الطبيعية سواء داخل او خارج المنزل ويفضلون قضاء أغلب أوقاتهم على شاشات هواتفهم المحمولة لتصفح شبكات التواصل او أجهزة الكمبيوتر وممارسة الالعاب الالكترونية .
ومؤخرا قامت بعض الدولة ومنهم استراليا وفرنسا بإصدار قوانيين خاصة بتقنين إستخدام الاطفال لمنصات التواصل الاجتماعى العالمية بل وتصل الى منع الاطفال - دون الثامنة عشر - من استخدام شبكات التواصل الاجتماعي بل وتجبر شركات تكنولوجيا المعلومات العالمية المالكة لهذه المنصات لاتخاذ كافة التدابير والاجراءات التى تحول دون استخدام الاطفال لهذه المنصات .
وفى تصورى أن العالم الرقمي دخل الى مرحلة لم يشهدها مقبل وتتمثل فى حالة إرتباط مرضى بين الأطفال والشاشات الالكترونية وهنا يجب أن نتوقف أمام دعوة السيد رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي بضرورة دراسة كيفية حماية اطفالنا من مخاطر أستخدام منصات التواصل الاجتماعي العالمية وضرورة إقامة حوار أبوى مع الأطفال لتقنين استخدامهم سواء بتحديد عدد من الساعات يوميا والتى ويمكن لأطفالنا ، ممن تجاوز أعمارهم ال 15 عاما ، ممارسة الالعاب الالكترونية و إستخدام منصات التواصل بواقع ساعتين يوميا على الأكثر مع ضرورة ممارسة نوع من المتابعة او المراقبة الأبوية والتوعية للمخاطر وأساليب الاستغلال والخدع التى يمكن ان يتعرضوا لها وفى نفس الوفت من المهم تحفيز أطفالنا على تغير سلوكهم والعودة تدريجيا الى التفاعل مع حياتهم الطبيعية وممارسات الرياضة او القراءة والمشاركة فى الانشطة الاسرية اليومية .
فى إعتقادي أن إصدار قانون لاستخدام أطفالنا لمنصات التواصل الاجتماعي والالعاب الالكترونية هو مطلب ضرورى لتقنين هذه الاستخدام ، ليس بهدف المنع او الحظر ، ولكن بهدف دفع كافة شركات التكنولوجيا العالمية إلى تحمل " المسؤولية الأخلاقية " لاتخاذ كافة الإجراءات القانونية والتقنية التى تضمن حماية أطفالنا بداية من التشدد فى التأكد من أعمارهم مرورا بالتاكد من سلامة المحتوى الذى يتم تقديمه عبر هذه المنصات ومناسبتها الى خبرات وعقول الأطفال وضمان عدم تعرضهم لغرس ثقافة تتعارض مع الأداب العامة والأعراف والتقاليد المصرية .
كذلك من المهم ان نؤكد أن التكنولوجيا فى حد ذاتها ليس متهمة بتدمير أطفالنا ولكن سوء الاستخدام وعدم وجود دليل إسترشادى لكيفية استفادة أطفالنا منها هو الخطر الحقيقى ولا يجب أن نصدر قرار بالمنع او الحظر ونظن أن الموضوع انتهى وأننا نجحنا فى القضاء على أدمان منصات التواصل الاجتماعي .
فى النهاية نأمل أن يتنبى جهاز تنظيم الاتصالات ، بوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ، بالتعاون مع وزارة التضامن الاجتماعي والمجلس الاعلى للطفولة والأمومة مع شركات تقديم خدمات التليفون المحمول والشركات العاملة فى مجال تقديم خدمات الانترنت ووسائل الأعلام ومواقع الانترنت والمؤسسات التعليمية ووزارة الأسرة والسكان مبادرة مجتمعية لاصدار دليل ارشادى يستهدف توعية الأطفال بالاستخدام الأمثل للأدوات التكنولوجية وذلك باعتباره عنصر مكمل لمبادرة " الانترنت الآمن " " لحماية الأطفال من الاستغلال على شبكة الانترنت وذلك حتى لا نفاجىء بظهور أمراض جديدة لاطفالنا وشبابنا بسبب إدمان الشاشات والانترنت اذ بدأت العديد من الدول المتقدمة تعانى من مرض إدمان الأطفال على الانترنت ودعى البعض لاعتبارها من ضمن الأمراض السريرية وتم فتح عيادات للعلاج في سائر أنحاء البلاد .








