بقلم : خالد حسن
في الوقت الذي يتسابق فيه العالم نحو تدويل التكنولوجيا وتطوير نماذج ذكاء اصطناعي فائقة القدرة، تتعالى صيحات تحذيرية من كبار العلماء والمهندسين مطالبين بضرورة التوقف والتفكير.
لم تعد المسألة مجرد رفاهية تكنولوجية، بل تحولت إلى معركة وجودية تهم الرأي العام العالمي، وسط مطالبات حثيثة بإنشاء هيئة دولية موحدة لتقنين وتنظيم عملية تطوير الذكاء الاصطناعي، على غرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ويؤكد الخبراء بالأرقام الخوف من الذكاء الاصطناعي لم يعد سيناريو سينمائيًا، بل هو واقع تدعمه البيانات والاحصائيات الرسمية ولعل أهمها " تهديد الهوية والوظائف " اذ تشير تقارير بنك Goldman Sachs إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يؤدي إلى ميكنة أو استبدال 300 مليون وظيفة دوام كامل حول العالم، مما يهدد بالبطالة الهيكلية إذا لم يتم توجيه التكنولوجيا لتكملة البشر بدلاً من استبدالهم بالاضافة الى " فقدان السيطرة " ففي استطلاع رأي موسع شمل أكثر من 2,700 باحث في مجال الذكاء الاصطناعي، أقر 5% منهم بأن هناك احتمالية حقيقية لإنقراض البشرية أو حدوث عواقب كارثية أخرى بسبب التقنيات غير الخاضعة للرقابة بالاضافة الى أن " التزييف العميق وتدمير الحقيقة " رصدت منصات الأمن السيبراني قفزة هائلة بنسبة 3,000% في تقنيات التزييف العميق (Deepfakes) المستخدمة في الاحتيال والتضليل السياسي، مما يهدد نزاهة الانتخابات والثقة العامة في وسائل الإعلام.
وفى هذا الاطار وقّع أكثر من 1100 موظف في كبرى شركات الذكاء الاصطناعي مذكرة تدعو الحكومة الأميركية إلى دعم آلية من شأنها المساعدة على "ضبط وتيرة" تطوير الذكاء الاصطناعي بصورة متعمدة، لمنع التكنولوجيا من التقدم بسرعة مفرطة.
يأتي هذا التحرك بعد أيام من كشف "أوبن إيه آي"، الشركة المطورة لـ"تشات جي بي تي"، أن أدواتها اخترقت عن طريق الخطأ الأنظمة الداخلية لشركة أخرى.
ووقّع الرسالة موظفون في نحو 12 شركة، من بينها "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك" و"جوجل" التابعة لشركة "ألفابت" و"ميتا بلاتفورمز" كما وقّع الرسالة عدد من المديرين التنفيذيين والمؤسسين المشاركين وقادة الأبحاث في مجال الذكاء الاصطناعي، من بينهم كبير العلماء لدى "أوبن إيه آي" ياكوب باتشوكي، وكبير مسؤولي العلوم لدى "أنثروبيك" جاريد كابلان، وكبير العلماء في مختبر الذكاء الفائق التابع لـ"ميتا" شينغجيا تشاو.
وتحث المذكرة الولايات المتحدة على دعم جهد دولي من شأنه المساعدة على تحديد وتيرة بناء أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر تطوراً، إذا لزم الأمر. وتحذر الوثيقة من وجود "خطر حقيقي" يتمثل في أن يتقدم الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من قدرة البشر على "فهمه أو التحكم فيه"، مشيرة إلى التطورات في أتمتة أبحاث الذكاء الاصطناعي.
وجاء في المذكرة "نطلب من الحكومة الأميركية دعم جهد دولي لتطوير الأدوات التقنية وأدوات الحوكمة اللازمة لضبط وتيرة الحدود المتقدمة للتطوير الآلي للذكاء الاصطناعي بصورة متعمدة ولم ترد "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك" على طلب للتعليق على حين قالت "جوجل" "نحن ملتزمون بتطوير الذكاء الاصطناعي بطريقة آمنة ومأمونة لما فيه مصلحة المجتمع".
وتردد المذكرة صدى دعوات حديثة من قادة الذكاء الاصطناعي، من بينهم الرئيس التنفيذي لـ"أوبن إيه آي" سام ألتمان، والرئيس التنفيذي لـ"جوجل ديب مايند" ديميس هاسابيس، لإنشاء هيئة رقابة دولية جديدة تتولى تدقيق نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة ووضع معايير لها.
وكانت "أنثروبيك" اقترحت سابقاً أيضاً إنشاء نظام تستطيع الحكومات ومطورو الذكاء الاصطناعي من خلاله أن يقرروا بصورة جماعية متى ينبغي إبطاء العمل على الذكاء الاصطناعي لتجنب المخاطر وقالت الشركة ، مؤخرا ، سيكون من الجيد أن يمتلك العالم خيار إبطاء" العمل على الذكاء الاصطناعي الذي قد يكون خطيراً "أو إيقافه مؤقتاً".
وجاءت تلك المقترحات بعد تصاعد التدقيق في التحسينات التي طرأت على قدرة الذكاء الاصطناعي على تنفيذ مهام أكثر تعقيداً بإشراف بشري محدود، بما في ذلك اكتشاف الثغرات الأمنية السيبرانية في البرمجيات الحيوية وإمكانية استغلالها.
وقالت "أوبن إيه آي" الأسبوع الماضي إن نماذجها الأكثر تقدماً للذكاء الاصطناعي اخترقت شركة التكنولوجيا الناشئة "هاجينغ فيس" (Hugging Face) في حادثة "غير مسبوقة". وأثار الكشف دعوات جديدة إلى فرض قيود على التكنولوجيا.
وفى تصورى هناك العديد من الاسباب التى تدفع البعض للمطالبة بـ "هيئة دولية" لتنظيم تطوير الذكاء الاصطناعي لعل أهمها ان الشركات التكنولوجية الكبرى تعيش حاليًا في "حالة سباق تسلح" مستمر، والمنافسة الشرسة تدفعها لطرح أدوات قبل التأكد من سلامتها بنسبة 100% ، كذلك فان " القوانين المحلية للدول لم تعد كافية" فالبرمجيات لا تعترف بالحدود الجغرافية ومن ثمة فإن إنشاء هيئة دولية سيوفر معايير سلامة موحدة: فرض بروتوكولات أمان صارمة قبل إطلاق أي نموذج ذكاء اصطناعي يتخطى قدرات معينة.
وفى اعتقادي سيتم منح خيراء هذه الهيئة الدولية حق التفتيش والرقابة الدورية مع منح خبراء الهيئة الحق في مراجعة مراكز البيانات العملاقة لضمان عدم تطوير "ذكاء اصطناعي عام" (AGI) خارج السيطرة البشرية بجانب "التوزيع العادل للفوائد " لضمان ألا تقتصر ثمار الطفرة التكنولوجية على دول الشمال المتقدم، وتوسيع الاستفادة لدول الجنوب لمنع زيادة الفجوة الرقمية والاقتصادية.
وعن التأثير المباشر على المجتمع المتوقع لانشاء هذه "الهيئة الدولية " فان الأمان مقابل الابتكار تنظيم الذكاء الاصطناعي ليس محاولة لخنقه، بل هو طوق نجاة للمجتمع لضمان استقراره اما على على الصعيد الاجتماعي فان التقنين سيحمي الأفراد من التحيز الخوارزمي، حيث أثبتت الدراسات أن أنظمة التوظيف والعدالة القائمة على الذكاء الاصطناعي تظلم الأقليات بنسبة تصل إلى 20% بسبب البيانات التاريخية المغذّية لها.
وعلى الصعيد النفسي والمعرفي: سيضمن التنظيم وضع حدود واضحة للتفاعل بين الأطفال والروبوتات الاجتماعية، وحظر خوارزميات الإدمان الرقمي التي تزيد من معدلات الاكتئاب لدى المراهقين.خاتمة: الاختيار بين التنظيم أو الفوضىإن الرأي العام مطالب اليوم بالضغط على الحكومات وصناع القرار لدعم فكرة "الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي".
فى النهاية نؤكد اننا نحن لا نملك رفاهية الوقت؛ فالقوة التي تمتلكها هذه التكنولوجيا تتضاعف بشكل مذهل كل بضعة أشهر وإن وضع "كابح أمان" دولي ليس تراجعاً إلى الخلف، بل هو الخطوة الوحيدة الذكية لضمان أن يظل الذكاء الاصطناعي خادمًا للبشرية، وليس سيدًا عليها.








