التواصل الاجتماعي .. بين البناء والانتحار الوطني

  •        بقلم : خالد حسن

    لعبت مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت ، ومنها الفيس بوك واليوتيوب وتويتر وانستجرام ، بجانب شبكات التليفون المحمولة دورا رئيسا في دفع ما أصبح يمسي بـ " الفوضى الخلاقة " أو ما يطلق عليه البعض "ربيع الشعوب العربية " ونجاح هذه الشعوب في تحقيق تغيرات سياسية كانت حتى وقت قريب بمثابة أحلام لأشد المتفائلين ولكن التحدي الحالي هو كيف تكون التكنولوجيا وثورة الاتصالات بمثابة رأس حربة تشعل عملية التنمية الشاملة ودعم الاستقرار وعودة الأمان للشعوب العربية على أن مستقبلها سيكون أفضل لاسيما بعد أن أثبتت التجربة العملية نجاح هذه الوسائل العصرية في التعبئة الشعبية وإحداث شرارة التغيير وتنظيم حق التظاهر والتعبير عن الرأي .

    إذ يلاحظ مع تزايد قاعدة مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي العالمية ، وعلى رأسها الفيس بوك وتويتر ، ظهور مجموعات مختلفة في العديد من الدول العربية لها آراء تسعى إلى إشعال الأوضاع بالشارع العربي والتشكيك في كل ما تم ويتم وانتشار الدعاوى إلى إعمال الفوضى بما أدى بصورة كبيرة إلى شعور المواطن العربي بخوف من القادم وأن هناك من يسعى إلى نشر عدم الاستقرار في الدول العربية سواء من خلال الترويج لأكاذيب بدون وثائق ومستندات أو الحديث عن إرهاصات فكرية شاذة أو حتى تزييف الحقائق بما يؤدي إلى انتشار الخلافات بين أبناء الوطن الواحد .

    ومؤخرا طالب رئيس الجمهورية الرئيس عبد الفتاح السيسي من الشعب المصرى بعدم تصديق كل ما يقال على مواقع التواصل الاجتماعى لافتقاده الدقة والمصداقية فى غالبية ما يتم تداوله من معلومات هناك عن ان هناك كتائب إلكترونية تعمل دائما ضد مصلحة الدولة المصرية لكسر الأمل لدى المصريين في مستقبل أفضل ونشر اليأس في نفوس الشباب ، محذرا وسائل الإعلام من تبني المعلومات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي دون أي عملية تدقيق والتأكد من صحتها مدللا على أن تناول الإعلام لقضية مقتل الشاب الإيطالي روجينى أضر كثيرا بموقف الدولة المصرية وكذلك الإضرار بالموقف المصري في موضوع سد النهضة وهو ما أطلق عليه الرئيس " انتحار قومي ".

    ولعل أخطر ما تتيحه  هذه المواقع أنها تشكل منصة لإطلاق وانتشار المعلومات التي لا تخضع للرقابة وعدم المصداقية فهي مجرد آراء وأفكار لأصحابها إلا أنها سرعان ما تنتشر وتصبح بمثابة رأي عام وقوة ناعمة ضاغطة نحو تأجيج الأوضاع  .

    في تصوري أن مواقع التواصل الاجتماعي دعمت حراك الشارع العربي والمصري خلال السنوات الثمانية الماضية ، وتحول إلى الوسيلة الإعلامية المفضلة لبثّ وقائع واخبار بعضها مغلوط وغير صحيح ، وحشد جماهير الشباب، واثارة الرأي العام والبلبلة  ، وفي بعض الأحيان تزويد المعتصمين في الميادين بالتعليمات اللازمة للتعامل مع قوى الأمن ، وإيصال صوت المنتفضين في الساحات العامة إلى شتى أصقاع العالم إلا أن هذا لا يمنع أن هذه المواقع أصبحت الآن تمثل عبئا كبيرا على الوضع الأمني للوطن ، الذي تحسن بصورة كبيرة في إمكانياته الفنية ناهيك عن تطور قدراته واعتياده على التعامل مع هذه الوسائل التكنولوجية الجديدة ، فما يكاد يمر يوم، منذ مطلع الشهر الحالي ، إلا وتجد هناك دعوى للمشاركة في  اعتصام أو إضراب أو تظاهر وذلك على حسب العمل وتراجع إنتاجية الفرد والتفرغ  إلى صراعات ومعارك بين أبناء الوطن لاقتسام الغنائم وننسى أن الأهم الآن هو التفكير في توحيد رؤيتنا لمستقبلنا جميعا للحفاظ على وطننا مصر .

    في اعتقادي أن الدعاوى التي بدأت تظهر في الدول المتقدمة تكنولوجيا ، الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي ، لضرورة الحد من دور شبكات التواصل الاجتماعي في تنظيم الاعتصامات والإضرابات والمظاهرات التي تضر بمصالح المواطنين هو أهم ما يحتاج منا أيضا ضرورة التفكير ووضع الأسس لتكون هذه المواقع أدوات للتعبير عن الرأي بصورة إيجابية وتوجيه الانتقاد البناء  .

    نتطلع أن تكون لدينا رؤية وطنية لكيفية الاستفادة من شبكات التواصل الاجتماعي العالمي والإنترنت على أنها قوة تصنع الديمقراطية، وأدوات رقمية يمكن استخدامها لبناء الوجه الجديد للوطن وألا تكون هذه الأدوات بمثابة سجن افتراضي نضع فيه أنفسنا ونكون بمعزل عما يدور حولنا ونصم آذاننا عن أصوات الشعوب التي تتطلب بضرورة تكاتف جهودنا على أرض الواقع لدفع عجلة الإنتاج واستعادة عافية الاقتصاد الوطني وتشمير السواعد وبذل العرق في مشروعات جديدة تستهدف تغيير نمط حياة شبابنا من مجرد مستخدمي الكمبيوتر والإنترنت للتعبير عن آرائهم فقط إلى عنصر منتج ومتفاعل مع احتياجات بلده .

    نتفق جميعا أن العصور القادمة في المنطقة العربية هي عصور ثورية سواء اجتماعيا او سياسياً أو تقنياً تعتمد على الرؤية الواضحة والجماعية للأحداث ولكن في نفس الوقت يجب أن تكون هناك ثورة في مجال الإنتاج وتعظيم الاستفادة من مواردنا وإمكانياتنا وذلك بمزيد من التركيز على الواقع وما نواجه من تحديات تتطلب إعمال المصلحة الوطنية فوق المصالح الشخصية أو الحزبية أو الحركية .

    الا اننا نؤكد أن شبكات التواصل الاجتماعي باتت تفتقد الى ما يعرف بثقافة المعرفة وتعظيم الاستفادة منها  ، لاسيما على المستوى المحلي والعربي ، وبالتأكيد ليس ذنب التكنولوجيا انها ابتكرت وسائل أسهل وأسرع في التواصل بين البشر ولكن الذنب كله على اساءة بعض البشر فى استخدام أدوات التكنولوجيا ، ومنها شبكات التواصل الاجتماعى العالمية ، وبدلا من الاعتماد عليها لتحسين قدراتهم وتنمية مهاراتهم وخلق فرص عمل جديدة فان استخدام مواقع التواصل الاجتماعي بات يفتقد الحرفية ويميل الى العشوائية مما يتطلب ضرورة زيادة الوعي المجتمعي ونشر ثقافة التعامل الإيجابي بعيدا عن الحديث عن فرض رقابة أو متابعة علي المستخدمين ..أما من يتعمدون نشر معلومات خاطئة فأعتقد ان توعية المواطنين ووضع الحقائق والمعلومات أمامهم ، بمنتهى الشفافية وعبر شبكات التواصل الاجتماعي أيضا ، ستكشف هؤلاء .

    §       مجرد تساؤلات

    §       صحافة التكنولوجيا المتخصصة والتنمية ..على مدار نحو عشرين عاما لعبت الصحافة المتخصصة في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات دورا استراتيجيا كاحد اضلاع ثالوث عملية بناء مجتمع المعلومات وتوطين صناعة التكنولوجيا والانتقال للاقتصاد الرقمي إلا أنه للأسف شهدت الآونة الأخيرة من داخل قطاع الاتصالات من يحاول أن ينكر على الصحافة المتخصصة دورها المهم في استكمال عملية التنمية وزيادة الوعي المجتمعي بالتعامل الأمثل مع الأدوات التكنولوجية المتاحة وعلى رأسها شبكات التواصل الاجتماعي العالمية في حين أن الدكتور عمرو طلعت ـ وزير الاتصالات والتكنولوجيا لا يفوت مناسبة إلا ويؤكد أهمية الشراكة مع الصحافة المتخصصة في مسيرة التنمية تكنولوجيا فهل يتنصر الوزير في رؤيته لاستمرار علاقات الشراكة الإيجابية أم ينجح الفريق الآخر في ضرب هذه الشراكة ؟ ... سنرى .

    §       الشعب المصري تعلم الدرس .. حرية التعبير بالطرق السلمية مكفولة للجميع ولكن . قيام بعض الفئات تفضل مطالبها الخاصة وتنظيم الوقفات والاحتجاجات التي تسبب تعطيل العمل بالدولة وإيقاف عجلة الإنتاج يؤدي إلى خلق ظروف اقتصادية حرجة تضر بمصالح الوطن واستقراره .. فهل ينجح كل المصريين في تجاوز خلافاتهم السياسية وتحقيق التكاتف والتكامل والمصالحة من أجل دخول الاقتصاد المصري لمرحلة الإنتاج واستعادة مكانته في أسرع وقت ممكن .

     

     

    حمّل تطبيق جريدة عالم رقمي الآن