بقلم : د . هبه صالح
رئيس معهد تكنولوجيا المعلومات " iTi "
أكتوبر شهر مميز، له طعم مختلف، يطبطب عليك بنسيمه، وتداعب وجدانك فيه موسيقى بليغ حمدي، مع كلمات "بسم الله.. الله أكبر" و"عاش اللي قال مفيش محال"
ومع إجازة وويك إند طويل، تتسع المساحة قليلًا لونس العيلة وحكاياتها. وأحب دائمًا أن أتحوّط لما قد تفتحه هذه اللمة من نقاشات، يبدأها كبير أو صغير، وأن أتسلح بحكايات حقيقية من حاضرنا تبعث على الأمل، وتمنحني ما أواجه به شجن الواقع، قبل أن يفاجئني أحدهم بسؤال صعب عن المستقبل، أو يتحداني بالحديث عن متاعب النهارده... وما أكثرها!
ولحسن الحظ، لا يخذلنا أبناء مصر المبدعون. ففي كل مرة أبحث فيها عن قصة تستحق أن تُروى، أجد من يمنحني سببًا جديدًا للفخر، لا بالماضي وحده، وإنما بما يُصنع اليوم، وبما ينتظرنا غدًا.
ومن أجمل ما حملته إلينا الأيام الأخيرة، ذلك التقدير الدولي لتجربة العالم المصري المتميز الدكتور هشام هدارة وفريقه في شركة Si-Ware Systems، التي برزت كنموذج مصري رائد للشركات المنبثقة عن العلوم العميقة (Deep Science Spinouts)، بالتزامن مع إطلاق مؤشر الابتكار العالمي لعام 2026، الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO). كما دُعي الدكتور هشام للمشاركة متحدثًا في حفل إطلاق المؤشر بجنيف، لعرض تجربة مصرية نجحت في تحويل البحث العلمي المتقدم إلى تكنولوجيا تنافس عالميًا.
والحقيقة أن هناك تكريمات تمنح أصحابها مكانة، وهناك تكريمات يزداد بريقها بمن تُمنح لهم. وهذا التقديرمن النوع الثاني. فهو لا يصنع مكانة الدكتور هشام وفريقه، بقدر ما يسلط الضوء على أثر علمي وتكنولوجي صنعته سنوات طويلة من البحث والتطوير والإصرار.
ولكن ما الذي يجعل هذه القصة مثيرة ومهمة إلى هذا الحد؟
بدأت رحلة الإنجاز بسؤال يبدو بسيطًا، لكنه بالغ الصعوبة علميًا وهندسيًا: هل يمكن تصغير جهاز التحليل الطيفي، أو الـSpectrometer، الذي اعتدنا وجوده داخل المختبرات بأجهزتها الكبيرة والمعقدة، إلى تكنولوجيا صغيرة يمكن استخدامها في العالم الحقيقي؟ ومن هذا السؤال انطلقت رحلة طويلة، وصولًا إلى تطوير جهاز للتحليل الطيفي على شريحة إلكترونية صغيرة، أو Spectrometer-on-Chip.. ولغير المتخصصين، فإن أهمية هذه التكنولوجيا تكمن في قدرتها على تحليل المواد والتعرف إلى خصائصها من خلال تفاعلها مع الضوء، دون الحاجة دائمًا إلى نقل العينات إلى أجهزة المختبرات التقليدية الكبيرة.
تخيلوا ما يفتحه ذلك من إمكانات في الزراعة والغذاء والرعاية الصحية والتجميل والصناعة وغيرها من المجالات، حين تصبح القدرة على تحليل المواد أقرب إلى مكان استخدامها. لا تتخيلوا فقط اسالوا د. هدارة عن بعض من هذه التطبيقات.
ولكن الأجمل أن الحكاية لا تقف عند هذا الإنجاز. فربما تكون فصولها الأكثر إثارة قد بدأت للتو.
نحن اليوم على أعتاب تحول تكنولوجي هائل، يُعرف باسم Physical AI، أو الذكاء الاصطناعي المادي. وهو العالم الذي ينتقل فيه الذكاء الاصطناعي من شاشات الحواسب والهواتف إلى الروبوتات والآلات والأنظمة التي تتحرك وتتفاعل مع العالم من حولها. ولكي تتفاعل هذه الآلات بذكاء مع الواقع، لا يكفي أن تحسب أو تحلل أو تتخذ القرارات، بل يجب أن تمتلك أيضًا القدرة على الإحساس بما يحيط بها. الكاميرا تمنح الآلة القدرة على الرؤية، والميكروفون يمكّنها من السمع. ولكن ماذا عن حاسة أخرى؟ ماذا لو استطاعت الآلة أن تتعرف إلى المادة نفسها؟ ممّ تتكون؟ وما خصائصها؟ وهل تغيرت؟ تخيلوا أن نضيف إلى الآلة حاسة جديدة، أقرب إلى «الشم» والتعرف إلى طبيعة الأشياء، ولكن بلغة الضوء والطيف والعلم!
هنا تتجلى القيمة الجديدة لما عمل عليه فريق Si-Ware لسنوات، وما يواصل بناءه اليوم. فالاستشعار الطيفي يتيح قراءة البصمة الطيفية للمواد، واستخلاص معلومات عن تركيبها وخصائصها. تخيلوا روبوتًا لا يكتفي بأن يرى الثمرة أمامه، بل يستطيع أن يستشعر معلومات عن خصائصها. أو آلة في مصنع لا تكتفي بمراقبة شكل المادة، بل تستطيع التعرف إلى بعض خصائصها، واكتشاف تغيرات قد لا تراها الكاميرا. هذه بعض الإمكانات التي قد يفتحها الجمع بين الاستشعار الطيفي والذكاء الاصطناعي المادي، وهي تجعل ما بناه الدكتور هشام وفريقه على مدى سنوات يحمل معه آفاق أرحب في عالم المستقبل.
وهنا بُعد آخر لروعة القصة المصرية.
فنحن لا نتحدث عن مجرد استخدام لتكنولوجيا طورها الآخرون، ولا عن تطبيق جديد يلحق بموجة الذكاء الاصطناعي، وإنما عن علم وخبرة وتكنولوجيا عميقة، تضع أصحابها في موقع يؤهلهم للمشاركة في بناء بعض الأدوات التي سيحتاج إليها هذا العالم الجديد. من مصر.. إلى العالم.
وأعود إلى أكتوبر، وإلى شباب العيلة، وإلى تلك الأسئلة التي أعرف أنها تنتظرني. أعرف أن أحدهم سيحدثني عن صعوبات الحياة، وأن آخر سيسألني عن فرص الشباب، وربما يذكرني ثالث بما يراه من تقدم مذهل في بلاد أخرى. ولن أطلب منهم أن يتجاهلوا الواقع، أو أن يتوقفوا عن طرح الأسئلة الصعبة. فالأمل الحقيقي لا يحتاج إلى إنكار المتاعب، ولا يُبنى على كلمات جميلة نرددها لنطمئن أنفسنا.
لكني سأحكي لهم عن الدكتور هشام هدارة وفريقه. وسأقول لهم إن المستقبل ليس شيئًا يصنعه الآخرون وننتظر نحن أن يصل إلينا. هناك مصريون يشاركون بالفعل في صناعته، بهدوء وصبر وعلم وإصرار. وإن الفرص اليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي، قد تكون أوسع من أي وقت مضى أمام العقول المبدعة، لا لتواكب العالم فحسب، بل لتشارك في تشكيله بأفكارها وابتكاراتها.
وأفكر في ذلك الخيط الجميل الذي يجمع موسيقى بليغ بشريحة د. هدارة، رغم ما بينهما من اختلاف في الزمن والمجال. فهذه موسيقى صنعتها موهبة مصرية لتبقى في الوجدان، وتلك تكنولوجيا صنعها علم مصري ليكون له مكان في المستقبل.
والاتنين مكّنوني من أن أحكي لشباب العيلة عن مصر التي نحبها، لا باعتبارها مجرد ذكريات جميلة نعيش على أمجادها، ولا أحلامًا ننتظر تحقيقها، بل بلدًا لا يزال أبناؤه قادرين على الإبداع وصناعة المستحيل، كلٌّ بلغته وأدواته.
شكرًا د. هشام هدارة، وشكرًا لفريق Si-Ware، لأنكم منحتمونا حكاية حقيقية، تكاد تشبه الخيال العلمي، نرويها لأبنائنا في أكتوبر، ونطمئن بها قليلًا على الغد. ولأنكم ذكرتمونا بأن "مفيش محال" ليست مجرد كلمات جميلة في أغنية قديمة، بل معنى يمكن أن يعيش ويتجدد، كلما قررنا ذلك بالايمان وبالعلم والعمل.
وكل عام ومصر بخير.. بما صنعه أبناؤها، وبما لا يزالون قادرين على صنعه.








