لم يعد تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل مرتبطًا بظهور تقنيات جديدة فحسب، بل امتد إلى طبيعة المهام اليومية التي يؤديها الموظفون، من إعداد التقارير ومعالجة البيانات إلى خدمة العملاء والتسويق والتعليم والمحاسبة، في تحول يفرض على العاملين وأصحاب العمل إعادة النظر في المهارات المطلوبة، وآليات التدريب والتأهيل، ومستقبل المهن في ظل التوسع في استخدام الأنظمة الذكية.
وبينما تتزايد قدرة هذه الأنظمة على إنجاز المهام المتكررة وتحليل المعلومات وإنتاج المحتوى، لا يعني ذلك بالضرورة اختفاء الوظائف التي تؤديها، بقدر ما يشير إلى إعادة توزيع مسؤولياتها بين الإنسان والتقنية، وانتقال جانب من الجهد البشري إلى مهام تتطلب التحليل والتحقق واتخاذ القرار والتعامل مع الحالات المعقدة.
وأكد أكاديميون ومختصون لـ ”الخليج 365” أن تحديد المهارات الأكثر طلبًا يتطلب التمييز بين الوظائف التي يمكن أتمتة أجزاء من مهامها، والمهن التي ستتعزز إنتاجيتها باستخدام التقنية، والأدوار الجديدة التي تنشأ مع توسع استخدامها، مشددين على أهمية الجمع بين الكفاءة الرقمية والقدرات الإنسانية والمهنية، وربط التدريب باحتياجات وأوضح رئيس قسم علوم الحاسب والذكاء الاصطناعي بجامعة جدة، رئيس مركز لوجستيات المستقبل، الدكتور عبدالله الغامدي، أن أثر الذكاء الاصطناعي في سوق العمل السعودي يمكن تصنيفه إلى ثلاثة أنواع، يبدأ أولها بالوظائف التي تتقلص فيها المهام الروتينية، مثل إدخال البيانات والمحاسبة التشغيلية وخدمة العملاء التقليدية والترجمة الأولية.
وأشار إلى أن هذه الوظائف لن تختفي بالضرورة بصورة مفاجئة، لكن العاملين فيها سيحتاجون إلى الانتقال نحو مهام تتطلب الإشراف على الأنظمة، والتحقق من النتائج، ومعالجة الحالات المعقدة التي لا يمكن التعامل معها بالاعتماد على الأتمتة وحدها.
وأضاف أن النوع الثاني يشمل الوظائف التي يعزز الذكاء الاصطناعي أداءها، مثل الطب والهندسة والتعليم والقانون والخدمات اللوجستية، إذ يمكن للتقنيات الذكية رفع الإنتاجية وتسريع الوصول إلى المعلومات، مع استمرار الحاجة إلى الحكم المهني والمسؤولية البشرية في القرارات والنتائج.
أما النوع الثالث، فيتعلق بالوظائف الجديدة التي تنشأ مع توسع استخدام التقنية، ومنها هندسة البيانات، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، وتدريب النماذج وتقييمها، وأمن الأنظمة الذكية، وهي مجالات تزداد أهميتها مع انتقال المؤسسات من استخدام الأدوات الرقمية التقليدية إلى بناء أنظمة أكثر اعتمادًا على البيانات والذكاء الاصطناعي.
وبيّن الغامدي أن المهارات التي ستظل مطلوبة تشمل التفكير النقدي وحل المشكلات والتواصل والقدرة على التعلم المستمر، إلى جانب الثقافة الرقمية التي تتيح للموظف التعامل مع الأدوات الذكية بوعي، وفهم إمكاناتها وحدودها، وتحديد متى يمكن الاعتماد على نتائجها ومتى تستدعي وأكدت أستاذة مشاركة الذكاء الاصطناعي والمعلوماتية الحيوية بجامعة الملك عبدالعزيز، الدكتورة نوف الغانمي، أن القلق من تأثير الذكاء الاصطناعي في الوظائف يستدعي التمييز بين التعرض التقني واحتمالات فقدان الوظيفة، مشيرة إلى أن قابلية المهام للأتمتة لا تعني بالضرورة الاستغناء عن العاملين الذين يؤدونها.
وأوضحت أن بيانات منظمة العمل الدولية تشير إلى تعرض وظيفة من بين كل أربع وظائف عالميًا لتأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي، ولا سيما الأعمال المكتبية والإدارية، فيما أشارت إلى تقديرات لصندوق النقد الدولي تفيد بأن نحو 45% من الوظائف في المملكة شديدة التعرض للذكاء الاصطناعي.
ولفتت إلى أن هذه المؤشرات تعكس قابلية المهام للتغير أو الأتمتة، ولا تعني أن النسبة نفسها من الوظائف ستختفي، إذ يتوقف الأثر الفعلي على طبيعة المسؤوليات، ومدى اعتماد المنشآت على التقنية، وقدرتها على إعادة تصميم الأعمال وتطوير مهارات العاملين.
وأضافت أن التأثير يمتد إلى قطاعات متعددة، تشمل المحاسبة وخدمة العملاء والتسويق والخدمات المالية والبرمجة والتعليم، حيث تستطيع الأنظمة الذكية المساعدة في إعداد التقارير وتحليل البيانات وأتمتة الأعمال المتكررة، بما يتيح للموظفين توجيه وقت أكبر نحو التقييم والتخطيط وحل المشكلات.
وأكدت أن التعامل مع الذكاء الاصطناعي لم يعد مقتصرًا على المبرمجين والمتخصصين التقنيين، بل أصبح مطلوبًا من الموظفين في مختلف المجالات، مع ضرورة امتلاك القدرة على صياغة الأوامر والتعليمات الفعالة، والتحقق من دقة المخرجات، واكتشاف التحيزات، وفهم حدود التقنية ومخاطرها، وحماية خصوصية البيانات.
وشددت على أن التفكير النقدي والإبداع وحل المشكلات واتخاذ القرار تظل من الركائز الأساسية للاستخدام المسؤول والفعال للذكاء الاصطناعي، موضحة أن القيمة المهنية لا تتحدد بمجرد استخدام الأداة، وإنما بقدرة الموظف على توظيفها لخدمة تخصصه، وتقييم النتائج قبل تحويلها إلى قرارات أو أعمال بدوره، أوضح أستاذ التسويق المساعد بكلية إدارة الأعمال في جامعة طيبة، ومستشار التسويق وريادة الأعمال، الدكتور أيمن علي شربيني، أن المخاوف من تأثير الذكاء الاصطناعي في الوظائف طبيعية، في ظل سرعة تطور التقنية واتساع نطاق تطبيقاتها، إلا أن الاستجابة الأكثر فاعلية تتمثل في الاستعداد للتحول وتطوير المهارات بدلًا من الاقتصار على القلق من نتائجه.
وأشار إلى أن المهام القائمة على التكرار، مثل إدخال البيانات وإعداد التقارير وبعض الأعمال الإدارية والمحاسبية وخدمة العملاء والتسويق، مرشحة لتغييرات متزايدة، غير أن تغير المهام لا يعني بالضرورة اختفاء المهنة بالكامل.
وبيّن أن سوق العمل سيحتاج إلى مزيج من المهارات التقنية والإنسانية، وفي مقدمتها التفكير النقدي والإبداع وحل المشكلات والتواصل والقيادة، إلى جانب القدرة على توجيه أدوات الذكاء الاصطناعي ومراجعة مخرجاتها والاستفادة منها في اتخاذ قرارات مسؤولة.
واستشهد بتجربته خلال إعداد رسالة الدكتوراه عام 2018، حين كانت القدرة على استخدام البرامج البحثية لتنظيم المراجع وإعداد مراجعات الأدبيات وتحليل البيانات من العناصر المهمة في العمل البحثي، موضحًا أن الاستفادة من التقنية لا تتوقف عند امتلاك أدواتها، بل ترتبط بكيفية تكييفها لخدمة أهداف العمل وتحسين نتائجه.
وأكد أن التدريب الفعال ينبغي أن يكون عمليًا ومتخصصًا وفق طبيعة الوظيفة، بحيث يشمل صياغة التعليمات الدقيقة للأدوات الذكية، وتقييم النتائج، واكتشاف أوجه القصور فيها، وتحويل المخرجات إلى حلول مبتكرة قابلة للتطبيق.
وأضاف أن مسؤولية مواكبة التحول لا تقع على الموظف وحده، بل تتطلب من المؤسسات تحديد المهارات المطلوبة وتوفير التدريب والتطبيق والمتابعة، مع قياس أثر البرامج على الأداء والإنتاجية، بدلًا من الاكتفاء بعدد الدورات والشهادات التي يحصل عليها الموظفون.
ولفت إلى أن المنافسة المهنية مستقبلًا لن تقتصر على من يستخدم الذكاء الاصطناعي ومن لا يستخدمه، بل ستتزايد بين من يستطيع توظيفه بذكاء وإبداع، ومن يكتفي باستخدامه بصورة تقليدية دون تقييم مخرجاته أو ربطها باحتياجات العمل.








