التسامح النبوي .. والمعايشة السلمية

  •  

    بقلم : خالد حسن

     

    " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ " ...

    " فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ "

    صدق الله العظيم

    كل عام وانتم بخير ..

    اليوم يبدأ شهر ربيع الأول والذي نحتفل فيه جميعا بمولد خير بني البشر سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفى ظل عصر العولمة والإنترنت اللذين نعيشهما جميعا ، وخاصة أبناءنا ، أضحى الكثير من القيم الدينية والأخلاقية في مهب الريح، ولم يعد الأبناء يعلمون الكثير من دينهم أو عن رسولهم وتاريخهم ؛ حتى وصل الأمر إلى عدم معرفتهم بالنشيد الوطني لبلادهم !

     

    ويؤكد العلماء أن سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعثه الله تعالى هدى ورحمة للعالمين، فإنه كما أرسله بالعلم والهدى والبراهين العقلية والسمعية، فإنه أرسله بالإحسان إلى الناس، والرحمة لهم بلا عوض، وبالصبر على أذاهم .

     

    فالتسامح خلق نبوي كريم، وهو دُرَّة السجايا والأخلاق، ويزيد صاحبه عزاً كما قال صلى الله عليه وسلم " وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً " إذ أقام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المجتمع الإسلامي الأول على حُسن ومكارم الأخلاق، والتي منها التسامح والعفو، والحلم والصبر، وترك الغضب والانتصار للنفس، فعن عقبة بن عامر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال له "يا عُقبة صِلْ مَن قطعك، وhعطِ مَن حرمَك، واعفُ عمَّنْ ظلمَك ". .

     

    وبالطبع فإننا إذا كنا نتحدث عن أهمية عصر المعلومات، وما أتاحه لنا من جعل كل كنوز المعرفة بين أيدينا في أي وقت وأى مكان ، عبر شبكة الإنترنت ، إلا أنه لأسباب ، نعلم بعضها ونجهل الكثير منها ، فإن استفادتنا الحقيقية نحن العرب من الثورة المعلوماتية يبدو أنها ما زالت محدودة بدرجة كبيرة، وتنحصر فقط في الكثير من أمور الترفيه والتسلية، وتضييع الوقت .. بل إن البعض بدلا من أن يستغلها في بناء الأوطان ونهضتها،  للأسف يتعمد الإساء وهدم الأوطان، وإشاعة الفتن والشائعات والاكاذيب.

     

     ومع تسليمنا بان المجتمعات المتدينة والمحافظة ، على غرار غالبية دول منطقة الشرق الأوسط ، تتميز بحساسية مفرطة لديها تجاه كل ما يمكن أن يمس قيمها وأعرافها وتقاليدها، أو بتعبير آخر تجاه "مكونها الثقافي والديني " إلا أن التاريخ يؤكد أننا كثيرا ما كنا نستوعب كل جديد ، والذي كان يأتي مع الغزاة أو الطامعين في كنوز المنطقة ، ونعيد تشكيله وإنتاجه حسب ما يتوافق مع مساراتنا الحياتية بحيث ينسجم فيما بعد مع القيد والأعراف والعادات الاجتماعية السائدة .

     

    ومع بدايات القرن العشرين برز لأول مرة في تاريخ العالم الإسلامى ما يمكن أن يطلق عليه بحق " إشكالية الغزو الثقافي" وحدوث الفجوة التقدمية مع الدول الغربية والتى اشتدت وتيرتها في ظل ما يسمى بثورة المعلومات التي شهدتها الفترة الأخيرة من القرن الميلادى وهنا بدأت تتزايد الضغوط على المواطن العربى ، لاسيما من مستخدمي التكنولوجيا الحديثة والانترنت من الشباب والاطفال، لتغيب الهوية الفكرية والدينية ولم يعد أبناؤنا يعرفون الكثير عن المبادىء الحنيفية للدين وكيفية الاقتداء برسولنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ في كل نواحي حياتنا .

     

    وفي ظل حديثنا عن الاحتفال بمولد النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ نجد أنه من الطبيعي ، بل من الواجب علينا أن نغرس في أبنائنا منذ الطفولة حب الله سبحانه ونقرنه بحب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليشب الطفل على سيرته العطرة وسنته الحسنة لتكون حصنه الحصين، وسراجه المنير مع الحرص على بيان شخصية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مصداقا لقوله تعالى "  يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا " وأنه القدوة والنموذج والمثال لكل من أراد النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة ومكارم الأخلاق ولعل اهمها صفة التسامح .

     

    فمن معاني " التسامح " السهولة والحلم، والعفو واللين، والجُود والإحسان .. والتسامح خلق نبوي عظيم، وكثيراً ما كان لهذا الخلق النبوي الأثر الكبير في تغيير نفسية من جاء يريد إيذاءه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد كان يأتي أحدهم وليس على وجه الأرض مَنْ هو أبغض له من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويعود وليس على وجه الأرض من هو أحب إليه منه، وذلك لتسامحه وعفوه صلوات الله وسلامه عليه.

     

    والسيرة النبوية زاخرة بالمواقف والأحاديث الدالة على جميل عفو وتسامح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومنها التسامح مع الذين يعملون معه أو لديه التسامح والعفو مع الخدم والعمال؛ إذ يقول أنس ـ رضي الله عنه ـ خادم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  عن تسامحه وعفوه ـ صلى الله عليه وسلم ـ معه "خدمتُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عشر سنين، والله ما سبَّني سبة قط، ولا قال لي أف قط، ولا قال لي لشيء فعلته: لم فعلته، ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته".

     

    وعن السيدة عائشة ـ  رضي الله عنها ـ قالت" ما ضرب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ شيئًا قطُّ بيده، ولا امرأة، ولا خادماً، إلَّا أن يجاهد في سبيل الله. وما نِيل منه شيء قطُّ، فينتقم مِن صاحبه، إلا أن يُنْتَهك شيء مِن محارم الله، فينتقم لله عزَّ وجلَّ"..

     

    ولا يخلو الخادم من خطأ أو تقصير في خدمته وعمله، ومع ذلك كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوصي أصحابه بالتسامح والعفو عنه، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال " جاء رجل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا رسول الله كم نعفو عن الخادم؟ فصمت، ثم أعاد عليه الكلام فصمت، فلما كان في الثالثة قالاعفوا عنه في كل يوم سبعين مرة .

    كذلك لابد من أن نجيب لأبنائنا على سؤال لماذا يجب علينا أن نحب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ؟ ونصل إلى عقولهم بإقناعهم بأن كل عاقل حكيم صالح مؤمن ذكي يجب أن يحب النبي لأنه رسول البشرية الذي تسبب في هداية العالمين إلى الهدى والحق والنور والإيمان بالله سبحانه وتعالى مع التأكيد على فضائله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومكانته عند ربه سبحانه ومكانته بين الأنبياء وفضله يوم القيامة ومكانة شفاعته ومقامه في الجنة.

    من المهم أيضا التأكيد على بيان معنى الإتباع لسنته بأسلوب مبسط وهذه بعض وسائل ترسيخ حب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في نفوس أبنائنا  "حكاية معجزاته ـ صلى الله عليه وسلم ـ حكاية أخلاقه العظيمة ونصرته للمظلومين وعطفه على الفقراء  ،ووصيته باليتيم " حكاية أخبار رقته ورحمته وبكائه وأنه هو النبى الوحيد الذي ادخر دعوته المستجابة ليوم القيامة كي يشفع بها لأمته كما أنه من المهم فعل الوالدين العملي وطريقتهم التطبيقية في الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في سلوكهم ، وتصرفاتهم ، وأفكارهم والحرص على سنته فهي مؤثر من أكبر مؤثرات تربية الأبناء على ذلك .

     

    اللهم صل وسلم وبارك على أشرف خلقك رسولك الكريم محمد النبي المختار كما تحب انت الصلاة عليه .

     

    حمّل تطبيق جريدة عالم رقمي الآن