بقلم : خالد حسن
نعيش اليوم ثورة رقمية غير مسبوقة، حيث بات الذكاء الاصطناعي شريكًا في كل تفاصيل حياتنا؛ يكتب نيابة عنا، يحلل مشكلاتنا، ويتخذ القرارات بدلاً منا. وفي غمرة هذا الانبهار بالسرعة والكفاءة، نغفل عن سؤال جوهري: هل نطور التكنولوجيا على حساب قدراتنا العقلية؟ إن الإفراط في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لا يهدد وظائفنا فحسب، بل يهدد جوهر ما يجعلنا بشرًا: وهو قدرتنا على التفكير النقدي والابتكار المستقل.
الخطورة الأولى تكمن في كسل العقل البديهي. عندما نلجأ إلى أدوات التوليد الآلي لكتابة مقال، أو صياغة فكرة، أو حتى حل مسألة رياضية بسيطة، فإننا نحرم أدمغتنا من "مرحلة المعاناة الفكرية". هذه المرحلة هي المخاض الحقيقي الذي تتشكل فيه الروابط العصبية وتولد منه الأفكار الإبداعية. إن العضلة التي لا تُستخدم تضمر، وكذلك العقل؛ فالاعتماد الكلي على الإجابات الجاهزة يحولنا تدريجيًا من "مفكرين" إلى "مستهلكين" للمعلومة.
علاوة على ذلك، يقع الكثيرون في فخ "الوهم المعرفي". نضغط على زر واحد لنحصل على تحليل معقد، فنشعر بالذكاء والرضا، لكننا في الحقيقة لم نبذل أي جهد لفهم الأبعاد الإنسانية أو السياقات الثقافية للموضوع. هذا الاعتماد الأعمى يضعف مهارتين من أهم مهارات التفكير: النقد والتشكيك. فإذا كانت الآلة تعطينا دائمًا إجابات تبدو كاملة ومقنعة، فمن سيملك الفضول للبحث وراءها، أو التساؤل عن مدى تحيزها وصحتها؟
ومؤخرا كشف تقرير ، صادر عن معهد المستقبل الرقمي في كلية كينغز كوليدج لندن، ومنظمة الذكاء الاصطناعي المسؤول في بريطانيا، أن 42% من الأشخاص في بريطانيا يحدّون عمداً من استخدامهم لأدوات الذكاء الاصطناعي، وسط تزايد المخاوف المتعلقة بالخصوصية وأمن البيانات، رغم انتشار هذه التقنيات في مختلف مجالات الحياة كما أن كثيراً من المستخدمين باتوا أكثر حذراً تجاه الذكاء الاصطناعي، مع ارتفاع نسبة من يرون أن مخاطره تفوق فوائده.
واعتمد التقرير على استطلاع أجراه مركز «دلتابول» البريطاني في يونيو 2026، شمل 2055 بالغاً، حيث أشار 70% من المشاركين إلى أن تجنب التعرض للذكاء الاصطناعي أصبح أمراً صعباً أو مستحيلاً حتى لمن يرغب في ذلك وبيّن التقرير أن أبرز أسباب تقليل استخدام الذكاء الاصطناعي تتمثل في القلق بشأن خصوصية البيانات والأمان بنسبة 29%، يليه تفضيل مواصلة إنجاز المهام بالطريقة التقليدية بنسبة 22%.
كما أظهرت النتائج أن النظرة العامة تجاه الذكاء الاصطناعي أصبحت أكثر تحفظاً؛ إذ ارتفعت نسبة من يعتقدون أن مخاطره تتجاوز فوائده من 48% عام 2023 إلى 52% عام 2026، في حين تراجعت نسبة من يرون فوائده أكبر من مخاطره من 38% إلى 34% وأشار التقرير إلى أن جيل «زد» يستخدم الذكاء الاصطناعي بانتظام أكثر من الأجيال الأكبر سناً، لكنه في الوقت نفسه يبدي قلقاً أكبر بشأن مخاطره ويميل إلى تقليل استخدامه.
وأكد الباحثون أن موقف الجمهور من الذكاء الاصطناعي ليس انقساماً بين مؤيد ومعارض، بل يجمع بين الاعتراف بفوائده المحتملة والقلق من تأثيراته في الخصوصية والأمان، داعين الشركات والجهات المسؤولة إلى توفير خيارات أوضح للمستخدمين بشأن كيفية استخدام هذه التقنيات.
وفى اعتقادى أن الذكاء الاصطناعي بات يضطلع يوماً بعد آخر بدور متزايد في إنجاز مجموعة واسعة من المهام، بدءاً من كتابة الرسائل الإلكترونية والبرمجة وصولاً إلى الترجمة وتنظيم الرحلات، ما يثير تساؤلات بشأن احتمال تراجع القدرات المعرفية لدى البشر على المدى البعيد كما أحدث ظهور روبوتات المحادثة القائمة على الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل «تشات جي بي تي»، والقادرة على إنشاء شتى أنواع المحتويات استجابة لطلبات بسيطة بلغة يومية، تحوّلاً في أنماط الاستخدام داخل المدارس وأماكن العمل وكذلك في الحياة اليومية.
وفى نفس الاطار أظهرت أبحاث علمية حديثة شملت أعداداً محدودة أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتولي بعض المهام قد تكون له تداعيات سلبية على الذاكرة، والقدرة على اتخاذ قرارات، والتفكير النقدي ائ توصّلت دراسة أمريكية بريطانية، لا تزال تخضع لمراجعة، إلى أن استخدام هذه الأدوات لحل مسائل حسابية أو إنجاز تمارين مرتبطة بفهم النصوص المقروءة حسّن أداء المشاركين على المدى القصير، لكنه أثّر سلباً في أدائهم على المدى البعيد وقدرتهم على المثابرة عند وقف الاعتماد على الذكاء الاصطناعي.
وأكدت الدراسة، التي أُجريت على 1222 شخصاً ، " هذه النتائج تثير قلقاً كبيراً، لأن المثابرة عنصر أساسي في اكتساب المهارات وأحد أفضل المؤشرات إلى التعلم على المدى البعيد" كما أنّ الذكاء الاصطناعي الذي يُشاد به لسرعته في العمليات الحسابية، يُعوّد الناس على توقع إجابة فورية، وهو ما «يسلبهم فرصاً للتعلّم»، وأضافت: «المقلق هو أن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على أداء مهمة بعينها؛ بل يمكن توظيفه في مختلف الأنشطة الفكرية التي تعتمد على التحليل والاستنتاج»، على عكس الآلة الحاسبة التي تُساعد على حل المعادلات الحسابية، لكنها تترك عملية التفكير للمستخدم.
ومن ناحية أحرى أظهرت دراسة أجراها معهد " ماساتشوستس للتكنولوجيا " عام 2025 إلى أن التلاميذ الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي لكتابة موضوعات إنشائية هم أقلّ قدرة على التفكير النقدي وتدعم دراسات أخرى هذه النتيجة، مُسلطة الضوء على ظاهرة تُعرف باسم «التفويض المعرفي»، أو حتى «تراجع الانخراط الذهني».
وفي تصورى ، وفقا لعلماء الإجتماع ، فأن البشر يميلون بشدة إلى توفير الجهد ففي حياتنا اليومية، غالباً ما نستخدم استراتيجيات تُوصلنا إلى الهدف بسرعة أكبر، من دون الخوض بالضرورة في المعلومات المُراد معالجتها، وهو أمر يتطلب جهداً معرفياً كبيراً» وهذا ما يعززه استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي .
ولتقليل هذه الآثار والحد من الانتقادات، ابتكرت الشركات المتخصصة في نماذج الذكاء الاصطناعي أدوات تعليمية تقوم على النهج السقراطي، وتستهدف خصوصاً التلاميذ. لا تُولّد روبوتات المحادثة إجابات تلقائية؛ بل تُقدّم تلميحات وتطرح أسئلة لتحفيز التفكير، مثل خاصية «دراسة» في «تشات جي بي تي» أو خاصية "التعلم الموجّه" في "جيميناي " كما أضافت «مايكروسوفت» تنبيهات بشأن احتمال وقوع أخطاء، وتذكيرات بالتحقق من المعلومات، وتدابير متنوعة لتشجيع المستخدمين على المشاركة الفعّالة والنقدية في الإجابات التي تولدها الأداة مؤكده أن «خطر الاعتماد المفرط على التفويض المعرفي قائم، خصوصاً عندما يُستخدم الذكاء الاصطناعي لأتمتة المهام التي تساعد بدورها على تطوير المهارات»، مشددة على أهمية تدريب المستخدمين على التعامل مع هذه الأدوات.
بالتأكيد، ليس الهدف هو معاداة التكنولوجيا أو العودة إلى الوراء، فالذكاء الاصطناعي أداة عظيمة لزيادة الإنتاجية. لكن الأداة يجب أن تظل خادمة للعقل، لا بديلة عنه. التحدي الحقيقي الذي يواجه جيلنا هو إيجاد "التوازن الرقمي"؛ أن نستخدم الآلة لتوسيع آفاقنا، لا لتكون بديلًا عن وعينا مع الاخذ في الاعتبار أننا سنتكيّف مع هذه الثورة التكنولوجية كما تكيّفنا مع الثورات السابقة ولكن لا تزال ثمة حاجة إلى دراسات واسعة النطاق وطويلة الأمد لمعرفة التأثير الفعلي لهذه التكنولوجيا الجديدة في أدمغة البشر.
في الختام، إن الذكاء الاصطناعي يعكس البيانات التي نغذيها به، لكنه لا يملك الحكمة، ولا العاطفة، ولا الوعي. إذا استمررنا في تفويض مهامنا الفكرية للآلات، سنستيقظ يومًا لنرى عالمًا ذكيًا للغاية، يسكنه بشر توقفت عقولهم عن النمو. الخيار لا يزال بأيدينا: إما أن نستخدم الذكاء الاصطناعي لنرتقي بتفكيرنا، أو ندعه يقودنا نحو استقالة فكرية اختيارية.








