كان هناك وقت لم يكن فيه الناس متصلين طوال الوقت كما هو الحال اليوم، وكانت المعلومات تصل بشكل محدود عبر البريد أو وسائل تقليدية. لكن مع انتشار الهواتف الذكية، اختفت هذه الخصوصية تقريبًا، وأصبحنا نتلقى سيلًا مستمرًا من الرسائل والإشعارات طوال اليوم، ما أدى إلى زيادة الإزعاج وربط الإشعارات بإدمان الهواتف.
تشير دراسات حديثة إلى أن هذه الإشعارات لا تزعج فقط، بل تؤثر أيضًا على الأداء العقلي.
وفي تجربة أجريت عام 2022، تبين أن الطلاب كانوا أبطأ في أداء المهام عند مقاطعتهم بإشعارات الهاتف مقارنة بأصوات أخرى، وهو ما يؤكد تأثير الهاتف المباشر على الانتباه وسرعة الاستجابة، بحسب تقرير لموقع "BGR" المتخصص في أخبار التكنولوجيا، اطلعت عليه "العربية Business".
وتتفق هذه النتائج مع دراسة أقدم عام 2016 أظهرت أن الإشعارات تزيد من الأخطاء وتقلل من سرعة الأداء.
ويشير الباحثون إلى أن هذه التأثيرات قد تكون جزءًا من مشكلة أعمق مرتبطة بتراجع القدرة على التركيز نتيجة الاستخدام المستمر للهواتف الذكية.
اهتزازات مشتتة
بعد ظهور أول هاتف آيفون عام 2007، سرعان ما اعتاد الناس على رنين هواتفهم، حتى مع تزايد عدد التطبيقات التي بدأت بإرسال إشعارات فورية بشكل يومي، أو حتى بوتيرة أعلى.
مع ذلك، يُسبب كل اهتزاز تشويشًا يُعيق التركيز وسير العمل، مما يُؤدي إلى انتكاسات في أداء المهام، بل وحتى في إتمام فكرة ما.
وقد ذهبت دراسة أخرى، نُشرت هذا العام، إلى أبعد من ذلك بقياس هذه الانتكاسات فعليًا. فقد وجد فريق من الباحثين الفرنسيين، في دراسة نُشرت نتائجها في دورية "Computers in Human Behavior"، أن تلقي إشعار من الهاتف الذكي يُسبب تأخيرًا في المعالجة الإدراكية بمعدل سبع ثوانٍ تقريبًا.
كما تسببت الإشعارات في اتساع حدقة العين لدى المشاركين، وهو مؤشر لا إرادي على ازدياد المشاعر كالخوف والانفعال.
وقدمت الدراسة نفسها أيضًا بعض التفسيرات حول سبب كون اهتزاز الهاتف الذكي أكثر تشتيتًا للانتباه من الأصوات الأخرى، إذ أشارت إلى أن طنين الهاتف يحمل مستوى عاليًا من "الأهمية المُدركة"، أي أن الناس يميلون إلى تفسيره على أنه يتطلب انتباههم فورًا.
وقد يكون ذلك نتيجة التعود عبر الوقت على الإشعارات الحساسة زمنيًا مثل رسائل العمل وتحديثات التوصيل، ما جعل صوت الهاتف يُفهم باعتباره أمرًا عاجلًا يستحق التوقف عن أي مهمة أخرى.
كما أن الهواتف الذكية تثير استجابة عاطفية لا تثيرها الأصوات الأخرى، وهو ما يظهر في اتساع حدقة العين لدى الأشخاص حتى عند سماع أو إحساسهم باهتزاز الهاتف.
طريقة التعامل مع هذه الإزعاجات
قد يظن البعض أن أفضل طريقة لتجنب تشتيت الانتباه بإشعارات الهاتف هي إيقافها، لكن الأمر ليس بهذه البساطة.
وفي دراسة أخرى، نُشرت في عام 2024 في دورية "Media Psychology"، أُجريت تجربة عشوائية مضبوطة شملت أكثر من 200 مستخدم لنظام أندرويد، تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عامًا، حيث طُلب من نصف المشاركين تعطيل إشعارات هواتفهم الذكية لمدة أسبوع.
وتم تتبع استخدام جميع المشاركين لهواتفهم خلال الأسبوع عبر تطبيقٍ طوّره الباحثون. والمثير للدهشة أن النتائج لم تُظهر أي فروقٍ جوهرية في إجمالي استخدام الهاتف بين المجموعتين.
ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الدراسة الفرنسية السابقة أوضحت أن عدد الإشعارات أكثر ارتباطًا بالإنتاجية من إجمالي وقت استخدام الشاشة (مع ضرورة الالتزام بقاعدة 20-20-20).
لكن تعطيل الإشعارات يطرح تحديًا آخر، وهو "الخوف من تفويت الأشياء المهمة"، وهو موضوع حقيقي في علم النفس ويمكن أن يسبب مستويات من القلق تؤثر على التركيز تمامًا مثل الهاتف نفسه.
ولا يوجد حل بسيط لهذه المشكلة، لكن بعض الطرق قد تساعد، مثل إبعاد الهاتف عن مجال رؤيتك، أو الانشغال بأنشطة أكثر جذبًا للاهتمام. لكن مع مدى الاعتماد الكبير على الهواتف الذكية، قد يبدو الأمر وكأنه علاقة لا يمكن للأشخاص العيش معها ولا بدونها.








