الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل كيفية تسعير المؤسسات المالية للأخطار، وتخصيص الائتمان، والاستجابة للضغوط
كتب : ساره نور الدين
يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل كيفية تسعير المؤسسات المالية للأخطار، وتخصيص الائتمان، والاستجابة للضغوط، وهو مُدمج بشكل متزايد في بنية صنع القرار في النظام المالي. ويتمثل التحدي الرئيس أمام البنوك المركزية والهيئات الرقابية المالية في ضمان إدارة الذكاء الاصطناعي بطرق تُعزز الاستقرار المالي، لا أن تُقوّضه.
وقال صندوق النقد الدولي إن هناك ثلاث أولويات، أولها تعزيز الرقابة والحوكمة على تقنيات التداول والإقراض والإشراف المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وثانياً، تحسين وضوح استخدام الذكاء الاصطناعي، والاعتمادات المتبادلة، وأخطار ترابط الأصول الناتجة من استراتيجيات التداول المتزامنة، وأخيراً، تعميق التعاون الدولي في مجال المرونة التشغيلية والدفاع السيبراني. وأوضح الصندوق في تقرير حديث، أن الذكاء الاصطناعي يُقلّص الوقت والمسافة في القطاع المالي. فعمليات التداول، وقرارات الائتمان، والتحليلات الرقابية تجرى بشكل متزايد في الوقت الفعلي، مما يُغير كيفية انتشار الصدمات وسرعة تحولها إلى صدمات نظامية.
نتيجة لذلك، تتشابك مسؤوليات أداء السوق، والاستقرار المالي، والمرونة التشغيلية بشكل متزايد مع سياسات الذكاء الاصطناعي وخيارات الحوكمة.
التداول والإقراض وتحسين مستويات السيولة
أشار صندوق النقد الدولي إلى أن الذكاء الاصطناعي يُصبح جزءاً لا يتجزأ من التداول والاستثمار في أسواق رأس المال الرئيسة. وتُولّد نماذج التعلّم الآلي إشارات عالية التردد، بينما يُحلّل الذكاء الاصطناعي التوليدي مكالمات الأرباح والتقارير التنظيمية والأخبار الاقتصادية في الوقت الفعلي.
حتى الآن، كان تأثير الذكاء الاصطناعي تدريجياً لا جذرياً، إلا أن تكامله يتسارع بين البنوك الاستثمارية الكبرى ومديري الأصول وصناديق التحوّط.
في ظل ظروف السوق الطبيعية، تكون الآثار إيجابية في الغالب، ويُمكن للتنفيذ المدعوم بالذكاء الاصطناعي أن يُحسّن السيولة، ويُخفّض تكاليف المعاملات، ويُسرّع اكتشاف الأسعار.
في أسواق الائتمان، تُعزّز النماذج المدعومة بالذكاء الاصطناعي في قروض المستهلكين والشركات الصغيرة كشف الاحتيال وتُوسّع نطاق البيانات المُستخدمة لتقييم الأخطار.
أما خلال فترات الأزمات، فقد تتضخّم هذه الميزات نفسها، إذ يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يجعل الأسواق أسرع وأكثر ترابطاً.
وأشار التقرير، إلى أن بعض الصناديق القائمة على الذكاء الاصطناعي تُعيد توازنها أسرع بكثير من الاستراتيجيات التقليدية، مما يُضخّم التقلبات عندما تستجيب نماذج عديدة لإشارات مُتشابهة، إذ إن سلوك القطيع ليس جديداً، لكن الذكاء الاصطناعي يُمكنه تغيير ديناميكياته.
وقد لا تنجم الانهيارات المفاجئة المستقبلية عن أخطاء برمجية بقدر ما تنجم عن تفاعل العديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي بشكل متوازٍ مع المعلومات نفسها.
تشكيل عمليات الرقابة المعززة وتوفير بيانات أفضل
لكن يُضيف الغموض تحدياً آخر للسلطات، فحتى المؤسسات المتطورة قد تجد صعوبة في تفسير سلوك استراتيجية قائمة على الذكاء الاصطناعي تحت الضغط، مما يُصعّب على البنوك المركزية والهيئات الرقابية المالية رصد الأخطار الناشئة وتشخيص اضطرابات السوق.
ويتعين على السياسات أن تواكب هذه التطورات، إذ سيتوجب على البنوك المركزية والجهات الرقابية المالية مراقبة الاستراتيجيات القائمة على الذكاء الاصطناعي عن كثب، وتحديد أخطار الارتباط، وضمان أن تأخذ اختبارات الضغط في الحسبان سرعة ونطاق وتفاعلات عمليات اتخاذ القرار المستندة إلى الذكاء الاصطناعي.
وستشكل عمليات الرقابة المعززة وتوافر بيانات أفضل حول تبني الذكاء الاصطناعي، والاعتماد على نماذج محددة، والتعرض لأخطار السوق، عناصر مكملة هامة لآليات رأس المال والسيولة التقليدية التي ستظل ركيزة أساسية للمتانة المالية، كذلك يمكن أن تساعد زيادة الشفافية بشأن كيفية استخدام النماذج الرئيسة السلطاتِ على تحديد مواطن الضعف النظامي المحتملة.
ومع مرور الوقت، يمكن للذكاء الاصطناعي - إذا ما أُدير بشكل سليم - أن يساعد في الحد من التحيزات البشرية وتنويع عمليات اتخاذ القرار. غير أن جني هذه الفوائد يعتمد على وجود ضمانات قوية للتعامل مع أخطار النماذج وضمان الشفافية في استخدامها.
تحولات في الجوهر التشغيلي للنظام المالي العالمي
يُحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً أيضاً في الجوهر التشغيلي للنظام المالي، فقد تتزايد استعانة البنوك بهذه التقنية في وظائف العمليات الخلفية وإدارة الأخطار، مما يختصر عمليات كانت تستغرق أياماً لتصبح تدفقات عمل فورية. كذلك، قد تستخدم البنى التحتية للأسواق المالية - مثل البورصات وغرف المقاصة وأنظمة الدفع - الذكاء الاصطناعي لمراقبة الأنظمة ورصد الحالات الشاذة، وذلك في ظل تزايد أحجام المعاملات وتعقيدها.
وتنشأ الأخطار الرئيسة من تركز الخدمات الحيوية والاعتماد المتبادل، إذ يعتمد عديد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي على عدد محدود من مزودي خدمات الحوسبة السحابية أو البيانات أو النماذج.
وعلى رغم أن مظاهر الاعتماد هذه قد تكون غير مرئية على مستوى الشركة الواحدة، إلا أنها قد تخلق نقاط ضعف نظامية جسيمة، فحدوث أي خلل لدى مزود خدمة حيوي - سواء كان تقنياً أو سيبرانياً أو جيوسياسياً - قد يؤثر على مؤسسات عديدة في آن واحد.
وقامت العديد من السلطات، بما فيها البنك المركزي الأوروبي وبنك إنكلترا، بتوسيع أطر المرونة التشغيلية لتشمل صراحةً مزودي الخدمات الخارجيين ذوي الأهمية البالغة، بمن فيهم مزودو خدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية. وتحتاج البنوك المركزية والهيئات الرقابية المالية إلى رسم خرائط شاملة للاعتمادات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، وخطط طوارئ لحالات الانقطاع المرتبطة.
في الوقت نفسه، يمكن أن تُشكّل الخيارات السياسية أخطار التركيز، فإذا كانت الأطر التنظيمية أو الرقابية تُفضّل ضمنياً مجموعة صغيرة من مزودي خدمات الذكاء الاصطناعي المعتمدين، أو تُشجّع الشركات على التقارب في نماذج الأعمال والأدوات، فقد يزيد ذلك من الاعتمادات المشتركة وحالات الفشل المرتبطة. وستحتاج السلطات إلى الموازنة بين فوائد الاعتماد على موردين معروفين ومُقيّمين جيداً وبين الأخطار النظامية التي قد تنشأ عن التركيز المفرط والامتثال.
الأخطار وتعزيز مراقبة الأسواق
وقال صندوق النقد، إن الذكاء الاصطناعي يُعيد تشكيل كيفية تنفيذ البنوك المركزية والهيئات الرقابية المالية لمهامها.
تُستخدم تقنيات الرقابة لتعزيز مراقبة السوق، وتحديد الأخطار الناشئة، وتوجيه الجهود الرقابية. وتستخدم البنوك المركزية والهيئات الرقابية المالية مثل تلك الموجودة في فرنسا والبرتغال وألمانيا واليابان تقنيات التعلم الآلي على بيانات الأوراق المالية والمشتقات لاكتشاف الحالات الشاذة، بينما يستخدم "الاحتياط الفيدرالي" والبنك المركزي الأوروبي وبنك كندا معالجة اللغة الطبيعية على التقارير الرقابية وشكاوى المستهلكين لرصد الأخطار الناشئة.
مع ازدياد تعقيد الأنظمة المالية، يُمكن لتقنيات الإشراف (SupTech) تحسين سرعة الاستجابة، والتغطية الشاملة، والعمق التحليلي. إلا أنها تُثير تحديات في الحوكمة، فبينما يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يُساعد في التخفيف من نقص المهارات، فإنه يتطلب أيضاً خبرات متخصصة نادرة، لا سيما في الأسواق الناشئة. وسيحتاج المشرفون إلى قدرات تقنية أقوى لتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي المتزايدة التعقيد، وقد يحتاجون إلى الاستعانة بمؤسسات خارجية متخصصة. ويُمكن أن يُؤدي خطر النماذج والاعتماد المفرط على المخرجات الآلية إلى ظهور ثغرات، بخاصة عندما تُعاني الأنظمة من ضعف الأداء تحت الضغط.
لذلك، تبنّى عديد من السلطات مبدأً واضحاً: يجب أن يُعزز الذكاء الاصطناعي الحكم الإشرافي، لا أن يحل محله. ومع ازدياد انتشار تقنيات الإشراف، ستحتاج أطر السياسات إلى حوكمة قوية، ومتطلبات للشفافية، وإشراف بشري، إلى جانب الاستثمار في القدرات الإشرافية.
التهديدات السيبرانية المُعززة بالذكاء الاصطناعي
يُسهم الذكاء الاصطناعي التوليدي بسرعة في زيادة سرعة الهجمات السيبرانية، ونطاقها، وتعقيدها، وأصبحت عمليات التصيد الاحتيالي أكثر إقناعاً، وتتكيف أساليب الاحتيال في الوقت الفعلي، وتتقلص الفجوات بين اكتشاف الثغرات واستغلالها، ونتيجةً لذلك، بات لدى المؤسسات وقتٌ أقل لاكتشاف التهديدات والاستجابة لها.
بالنسبة للبنوك المركزية والهيئات الرقابية المالية، لم تعد هذه التهديدات مجرد تهديدات تشغيلية، فمع تعزيز الذكاء الاصطناعي لقدرات الجهات الخبيثة، باتت المرونة السيبرانية هاجساً مالياً كلياً.
وأظهرت دراسة استقصائية أجراها بنك التسويات الدولية، أن معظم البنوك المركزية تتبنى أو تخطط لتبني الذكاء الاصطناعي التوليدي لاكتشاف التهديدات والاستجابة لها، حتى مع إدراكها أن هذه الأدوات نفسها تُعزز قدرات المهاجمين.
وتعاونت السلطات في اليابان مع مؤسسات كبرى لتقييم جاهزيتها لمواجهة الأخطار السيبرانية الناجمة عن الذكاء الاصطناعي، بينما تُبرز دراسة أجرتها مجموعة الدول السبع التهديدات التي يُتيحها الذكاء الاصطناعي باعتبارها نقاط ضعف مشتركة تتطلب استجابات منسقة.
وينبغي على البنوك المركزية والهيئات الرقابية المالية تعزيز التوقعات في شأن المرونة السيبرانية، وإجراء تدريبات شاملة على مستوى النظام تتضمن سيناريوهات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتحسين تبادل المعلومات حول التهديدات ووسائل الدفاع. وسيكون الاستثمار في الذكاء الاصطناعي الدفاعي - ضمن ضوابط واضحة - أمراً بالغ الأهمية لمواكبة الهجمات المتطورة.
وقد أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم قضيةً تتعلق بالاستقرار المالي، وتتداخل فيها الأسواق والمؤسسات والبنى التحتية المالية والرقابة. وفي نظام مالي مدعوم بالذكاء الاصطناعي، سيعتمد الاستقرار بشكل أقل على أي نموذج منفرد، وأكثر على المؤسسات والحوافز والضمانات التي تحكم استخدامه.








