اردوغان ... وبراجماتية الفئران

  •  

    بقلم : ايمن صلاح

    تشهد السياسة التركية تجاه مصر فى الآونة الأخيرة تغيرا جذريا بعدما ناصبت تركيا مصر العداء عقب ثورة الثلاثين من يونيو من عام 2013، وظلت الادارة السياسية التركية على نهجها المعادى لمصر منذ ذلك التاريخ حيث ساندت جماعة الاخوان التى تم انهاء حكمها فى مصر بعد عام واحد من التنصيب عقب ثورة يونيو المجيدة، ولقد كان لذلك التحالف التركى – الاخوانى خلفياته السياسية التى تهدف الى سيطرة تركيا على منطقة الشرق الأوسط باعتناق ايديلوجية اسلامية مزعومة تكون بوابة لبناء ما يسمى (العثمانية الجديدة) فى المنطقة والتى ابتدع فكرتها (تورجوت أوزال) واعتنق الفكرة بعد ذلك الرئيس التركى الحالى (رجب طيب أردوغان) أملا فى بناء امبراطوريته التى طالما حلم بها حتى انه أطلق عليه (خليفة المسلمين)، ولم يجد أردوغان أفضل من جماعة الاخوان بعد سيطرتها على الحكم فى مصر للمضى قدما بعقد تحالف سياسى معها لضمان السيطرة على مصر كقوة عظمى فى المنطقة ليكون ذلك نواة حقيقية لتحقيق المآرب (العثمانية) فى المنطقة، وقد تجلى هذا الاتجاه بعد الاجتماع الذى ضم أردوغان فى عام 2012 حين كان رئيسا للوزراء فى ذلك الوقت مع المسئولين الاخوانيين فى مصر للتنسيق ووضع الخطط المستقبلية لبناء الخلافة المزعومة. ولكن لأن دائما ما تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن فقد بدأ هذا الحلم الأردوغانى يتلاشى مع شرارة ثورة الشعب المصرى فى الثلاثين من يونيو وهو الأمر الذى جعل أردوغان يبدأ حملته السياسية المعادية لمصر وثورتها أملا فى عودة الأوضاع لما كانت عليه قبل الثلاثين من يونيو 2013، وكان ذلك عن طريق تسخير حملاته الدبلوماسية العالمية لاستعداء العالم ضد مصر ووصفه الثورة المصرية بالانقلاب ومحاولته بناء منصات اعلامية دأبت على بث الأكاذيب وتضليل الرأى العام الخارجى وأيضا الداخلى بمصر لمحاولة زعزعة الاستقرار داخل مصر وهز ثقة العالم فى قدرة مصر على التحول الى التنمية والبناء، ناهيك عن دعمه المستمر لقوى الارهاب فى مصر لتكدير الأمن العام وزعزعة الاستقرار.

    ولكن السؤال الذى يفرض نفسه اليوم هو .... ما سر التحول فى السياسة التركية المناهضة لمصر ونظامها السياسى الى محاولة التقارب وبناء جسور علاقات سياسية واقتصادية عميقة فى الفترة الأخيرة؟!

    لكى نجيب على هذا السؤال يجب علينا أولا أن نعرف طبيعة أردوغان النفسية وتكوينه الشخصى، ثم علينا بعد ذلك دراسة ما مر به هذا الرجل خلال فترة حكمه لتركيا ومن ثم نستطيع أن نستخلص الدوافع التى نشأ من خلالها هذا التحول فى النهج السياسى التركى تجاه مصر.

    اولا - ومن واقع تاريخ أردوغان السياسى ودون الدخول فى التفاصيل فهو رجل براجماتى من الدرجة الأولى رغم كل ما يدعيه من نزعة دينية بانتمائه القديم لجماعة الاخوان التى تدعى بدورها أنها جماعة أصولية دعوية، ونعلم جميعا كذب هذا الادعاء وما كان الدين يوما الا ستارا لهذه الجماعة حيث كانت نشأتها تهدف الى الوصول الى السلطة بتخطيط مخابراتى بريطانى بدأ مع بزوغ نجم هذه الجماعة فى عام  1928، ولعل تاريخ أردوغان نفسه لا ينبىء بأى قيم دينية أو أخلاقية والا كيف يسعى الى بناء خلافة اسلامية فى المنطقة ويقر فى ذات الوقت الدعارة فى بلاده بل ويقننها.

    ثانيا – تعرض أردوغان فى السنوات الأخيرة والتى تلت الثورة المصرية فى يونيو 2013 لمجموعة من الأحداث واللطمات جعلته يفقد الكثير من قوته وشعبيته منها أحداث بالداخل التركى وأخرى خارجية، فعلى المستوى المحلى تعرض نظام حكم أردوغان لمحاولة انقلاب عسكرى فاشل فى عام 2016 قاده العديد من قواد الجيش الكبار احتجاجا على سياساته الداخلية ولولا بعض الأخطاء العسكرية البسيطة لنجح هذا الانقلاب ولتغير وجه تركيا بالكامل، وفى ظنى أن النار تحت الرماد بين صفوف الجيش التركى لازالت مشتعلة منذ ذلك الوقت حتى يومنا هذا، وفى عام 2018 تلقى أردوغان صفعة أخرى حين خسر الحزب الذى يرأسه وهو حزب العدالة والتنمية الأغلبية المطلقة فى البرلمان والتى كان قد استحوذ عليها فى انتخابات عام 2015 البرلمانية، الأمر الذى أجبر أردوغان الى الاعتماد على حليفه حزب الحركة الوطنية برئاسة (دولت بهجة) لتمرير التشريعات والقوانين التى يرغب أردوغان فى فرضها وقد كان هذا السقوط لحزب العدالة والتنمية مؤشرا واضحا لانخفاض شعبية أردوغان فى تركيا وتنامى الغضب الشعبى لسياساته، وبعد ذلك بعام أو عام ونصف بدأت تداعيات سياسات أردوغان الاقتصادية فى الظهور على سطح الأحداث حيث عانى الاقتصاد التركى من مشاكل كبرى كان أحد تداعياتها انهيار الليرة التركية أمام الدولار وهو ما لا يزال الاقتصاد التركى يعانى منه حتى الآن، ناهيك عن اتهامات الفساد التى طالت أردوغان وأفراد من أسرته ..... كل هذه الأحداث الداخلية جعلت أردوغان يفقد الكثير من توهجه السياسى الداخلى بل وجعلت مستقبله السياسى على المحك.

    أما خارجيا، فقد فشل الرجل فى كل محاولاته للانضمام الى الاتحاد الأوروبى الذى كان يسعى أردوغان لجعله ظهيرا سياسيا لدولته فى كل تحدياته العالمية والاقليمية بل ان الحملات القمعية التى تنتهك حقوق الانسان التى قام بها أردوغان فى أعقاب المحاولة الانقلابية ضده أضرت بعلاقته بالاتحاد الأوروبى مما دعا مسئولو الاتحاد الاوروبى فى عام 2017 الى الاعراب عن أن سياسات تركيا تنتهك معايير كوبنهاجن للأهلية لعضوية الاتحاد الأوروبى.

    أما اقليميا .... فان هناك زوج من الأحداث أعتبرهما مربط الفرس والقشة التى قصمت ظهر البعير (وأقصد بالبعير هنا أردوغان)، أما أولهما فهو توقيع اتفاقيات بينية لتعيين الحدود البحرية لكل من مصر، قبرص، واليونان (العدو التاريخى لتركيا) وما يستتبع ذلك من سيطرة كاملة على مصادر الغاز الجوفى فى شرق المتوسط والتى تقدر التقارير العالمية أنها من أكبر حقول الغاز فى العالم مما يجعلها ثروة مستقبلية هائلة للدول الثلاث، وثانيهما هو تنامى القوة العسكرية البحرية المصرية فى السنوات الأخيرة حتى أصبحت هى الأقوى فى الشرق الأوسط وشرق المتوسط ان لم تكن فى حوض المتوسط بأكمله وهو الأمر الذى حرصت مصر عليه لحماية مصالحها وثرواتها وحدودها البحرية سواء فى البحر المتوسط أو البحر الأحمر.

    كل هذه الأحداث والملابسات مجتمعة جعلت أردوغان البراجماتى الفكر والاخوانى الهوى يتخلى عن حلمه الذى أصبح سرابا بفضل سياسات مصر الجريئة والمتزنة، ومن ثم تخليه عن أقرانه من الاخوان بعدما أيقن أنهم قد ماتوا أكلينيكيا وأنهم لن يستطيعوا ان يكونوا حلفاء أقوياء بعد اليوم، وأن يتجه الى مصر كملاذ ومأوى قد يحميه من انهيار سياسى ولعله يحظى ببعض المنافع الاقتصادية التى تحميه فى قادم الأيام.

    نعم السياسة هى فن الممكن  ولا عيب أن يكون السياسى براجماتيا ولكن هناك فارق كبير بين براجماتى منتصر، وآخر منكسر حيث تتحول الى براجماتية الفئران.

    حمّل تطبيق جريدة عالم رقمي الآن