بقلم : لطيفة زنينة
استشارية في الاستراتيجية الرقمية والتحليلات البيانية متخصصة في قطاع الضيافة الفاخرة
مكتب الاستشارات إيليت كونسلتينج بار
يستعد الذكاء الاصطناعي الوكيل لقلب التوازن الهش بين عمالقة الحجز الإلكتروني وصناعة الضيافة. تكشف دراسة حديثة عن مفارقة استراتيجية مثيرة: هل يتعين على وكالات السفر الإلكترونية أن تتبنى التقنية التي قد تُنذر بتقادمها؟
المنعطف الخفي الذي لم يره أحد قادماً
بينما كانت صناعة الفنادق لا تزال تناقش تأثير محركات البحث الشاملة والعمولات، كانت ثورة صامتة تتشكل في مختبرات OpenAI وGoogle وAnthropic. الذكاء الاصطناعي الوكيل ليس مجرد تحسين لروبوتات المحادثة الحالية، بل هو إعادة صياغة كاملة لرحلة العميل تهدد بتجاوز منظومة التوزيع بأكملها كما نعرفها.
الدراسة التي أجرتها شركة Mirai وحللتها الصحفية Vivi Hinojosa لصالح Hosteltur تسلط الضوء على معضلة استراتيجية نادرة الحدة. يجد كل من Booking.com وExpedia نفسيهما أمام خيار صعب: إما تبني الذكاء الاصطناعي الوكيل على نطاق واسع لتحسين تجربة العملاء، أو المخاطرة بخلق ظروف انهيارهما الذاتي.
كيف يحول الذكاء الاصطناعي الوكيل رحلة الحجز جذرياً
على عكس محركات البحث التقليدية، لا يكتفي الذكاء الاصطناعي الوكيل بالإجابة على الأسئلة. إنه يفهم السياق، ويتوقع الاحتياجات، ويجري مقارنات معقدة، ويمكنه تنفيذ عملية الحجز بأكملها بشكل مستقل. يمكن للمسافر الآن أن يطلب: "ابحث لي عن قصر فاخر في باريس مع منتجع صحي، متاح الأسبوع المقبل، ميزانية 800 يورو لليلة، قريب من الشانزليزيه" والحصول على حجز مؤكد في غضون ثوانٍ.
هذا التطور يغير بشكل جوهري عرض القيمة لوكالات السفر الإلكترونية. كانت قوتها التاريخية ترتكز على ثلاث دعائم: تجميع المخزون، ومقارنة الأسعار، وتبسيط عملية الحجز. يستطيع الذكاء الاصطناعي الوكيل الآن إنجاز هذه الوظائف الثلاث بطريقة أكثر سلاسة وسرعة، وربما دون وسيط.
المفارقة الاستراتيجية لمنصات التوزيع
تتطور المساعدات الذكية مثل ChatGPT وGemini وClaude نحو نماذج قادرة على التفاعل مباشرة مع أنظمة الحجز الفندقية. تخلق هذه القدرة سيناريو قد تجد فيه وكالات السفر الإلكترونية نفسها مهمشة في سلسلة قيمتها الخاصة. من خلال دمج الذكاء الاصطناعي الوكيل لتحسين خدماتها، فإنها تدرب منافسيها المستقبليين بشكل أساسي.
يتفاقم الخطر لأن هذه التقنيات تطورها شركات تمتلك موارد مالية وتكنولوجية هائلة. يمكن لـGoogle، بنظامها البيئي الكامل ووصولها المباشر لاستعلامات السفر، أن تدمج وظائف الحجز الوكيل دون المرور عبر المنصات الوسيطة.
الفرصة التاريخية لقطاع الضيافة الفاخرة
تمثل هذه الاضطرابات المعلنة، بشكل متناقض، فرصة استراتيجية كبرى للمؤسسات الراقية. يمكن للقصور والفنادق الخمس نجوم استعادة السيطرة على توزيعها من خلال تطوير تكاملاتها الخاصة مع الذكاء الاصطناعي الوكيل.
تخيل قصراً باريسياً يكون مخزونه متاحاً مباشرة للمساعدات الذكية، دون عمولات وسيطة، مع عرض غني للتجربة الفريدة التي يقدمها. أصبحت إزالة الوساطة أخيراً قابلة للتطبيق تقنياً على نطاق واسع. المؤسسات التي تعرف كيفية هيكلة بياناتها، وتحسين حضورها الرقمي، وإنشاء تكاملات API فعالة ستحقق ميزة تنافسية حاسمة.
السيناريوهات الثلاثة المحتملة لمستقبل التوزيع
يرى السيناريو الأول أن وكالات السفر الإلكترونية تصبح مجرد طبقات تكنولوجية توفر البنية التحتية للمخزون للذكاء الاصطناعي الوكيل، مع هوامش ربح منخفضة بشكل كبير. يتصور الثاني حرب أنظمة بيئية حيث تطور كل منصة ذكاءها الاصطناعي الوكيل الحصري الخاص بها. أما الثالث، الأكثر جذرية، فيتوقع إزالة وساطة ضخمة حيث تتصل الفنادق مباشرة بالمساعدات الذكية العامة.
ضرورة العمل الفوري للجهات الفاعلة في قطاع الفنادق
يجب على مديري المؤسسات الفاخرة التحرك الآن لوضع أنفسهم استراتيجياً. يتطلب ذلك هيكلة بيانات منتجاتهم بتنسيقات متوافقة مع الذكاء الاصطناعي، وتحسين حضورهم على القنوات الناشئة، وتطوير استراتيجيات محتوى مناسبة للاكتشاف عبر الذكاء الاصطناعي.
ثورة الذكاء الاصطناعي الوكيل ليست تهديداً بعيداً، بل تحول جارٍ. المؤسسات التي تفهم التحديات بسرعة وتكيف استراتيجية توزيعها ستكون الرابحة الكبرى في هذا العصر الجديد.








