بقلم : وو جيانجون
رئيس منتجات أجهزة الذكاء الاصطناعي Qwen في مجموعة علي بابا
التاريخ لا يعيد نفسه بالضرورة، ولكنه غالباً ما يكشف لنا عن أنماط ومسارات متكررة. ففي العام 2007، أدى دمج الهاتف والإنترنت واستهلاك المحتوى في جهاز واحد إلى إحداث تحول جذري في عالم الحوسبة الشخصية. وبعد نحو عقدين، نشهد تحولاً مماثلاً، ولكن هذه المرة من الشاشة التي نحملها في أيدينا إلى المجال البصري الذي نراه أمام أعيننا.
وتتوسط النظارات الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي في صميم هذا التحول. فما كان يُنظر إليه يوماً باعتباره فئة تقنية مستقبلية لا تزال قيد التكهنات، بات اليوم يقترب من مرحلة الجاهزية التجارية. ولم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه الأجهزة ستنتشر وتصبح واقعاً، بل مدى سرعة تطورها، وأي منظومات تقنية ستقود هذا التحول.
وتشير توقعات القطاع إلى أن السوق تقترب من نقطة تحول حاسمة. فبحسب ABI Research، من المتوقع أن تصل قيمة سوق النظارات الذكية إلى 7.8 مليارات دولار في العام 2026، أي أكثر من ثلاثة أضعاف مستوياتها في العام 2024، مع ارتفاع الشحنات من 3.3 ملايين وحدة إلى 13 مليون وحدة. كما يتوقع تقرير صناعة الأزياء BoF-McKinsey أن تتجاوز قيمة هذه الفئة 30 مليار دولار بحلول نهاية العقد. وقد بدأت مؤشرات هذا التسارع بالظهور بالفعل، إذ ارتفعت الشحنات بأكثر من 100% على أساس سنوي خلال النصف الأول من العام 2025، فيما تواصل النظارات الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ترسيخ مكانتها باعتبارها الخيار الأكثر حضوراً في السوق.
وغالباً ما تشهد التقنيات مراحل التوسع عندما تلتقي ثلاثة عوامل رئيسية: الجاهزية على مستوى القدرات التقنية، والتحوّل في سلوك المستخدمين، وتحقق الجدوى الاقتصادية. ويبدو أن النظارات الذكية تقترب اليوم من هذه المرحلة.
حين تصبح التكنولوجيا غير مرئية
لا يزال الهاتف الذكي جهازاً بالغ الأهمية، إلا أن استخدامه يتطلب انتباهاً وتفاعلاً مباشراً. وأما التجربة التي يعدنا بها الذكاء الاصطناعي فهي مختلفة: تقنية تعمل بسلاسة في الخلفية، عبر أنظمة تستطيع التنبؤ والفهم والتفاعل بأقل قدر ممكن من الاحتكاك.
وفي هذا السياق، توفر النظارات واجهة أكثر طبيعية لهذا النموذج. فوجودها ضمن مجال الرؤية والسمع للمستخدم يتيح تفاعلاً مستمراً مع العالمين الرقمي والواقعي. ومع التطورات المتسارعة في النماذج متعددة الوسائط، أصبحت هذه الأجهزة قادرة على المعالجة الفورية للإشارات البصرية والصوتية والسياقية.
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد فئة جديدة من الأجهزة القابلة للارتداء، بل بمرشح جدي ليكون الواجهة الرئيسية المقبلة للحوسبة؛ حيث لا يتم الوصول إلى البرمجيات فحسب، بل تُعاش التجربة الرقمية بشكل أكثر اندماجاً.
عندما يواكب السلوك البشري التطور التقني
لم يكن تعثر المحاولات السابقة للنظارات الذكية ناتجًا عن محدودية التكنولوجيا بقدر ما كان مرتبطاً بعوامل اجتماعية؛ فقد بدت تلك الأجهزة لافتة للنظر أكثر مما ينبغي، أو غير مريحة للاستخدام، أو بعيدة عن متطلبات الحياة اليومية. إلا أن هذا الواقع بدأ يتغير.
أسهمت التطورات في تصغير المكونات وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة في تقريب تصميم هذه الأجهزة من النظارات التقليدية. وفي الوقت نفسه، أصبح المستهلكون أكثر معرفةً وتآلفاً مع تقنيات الذكاء الاصطناعي. فالمساعدات الصوتية التي كانت تُعد في السابق مفهوماً جديداً أصبحت جزءاً من الاستخدام اليومي، فيما تترسخ تدريجياً توقعات الحصول على المساعدة الرقمية بشكل دائم وفوري.
وتعكس مؤشرات السوق هذا التحول بوضوح. فالنظارات الذكية تعد من بين الفئات القليلة ضمن الأجهزة القابلة للارتداء التي يحتل فيها الذكاء الاصطناعي موقعًا متقدمًا بين دوافع الشراء الرئيسية. كذلك، أصبح التصميم عاملاً أساسياً في قرارات المستخدمين، في إشارة إلى انتقال هذه الفئة من المرحلة التجريبية إلى مرحلة الاندماج الفعلي في أنماط الحياة اليومية.
بعبارة أخرى، لم يعد اعتماد هذا الخيار مسألة ترتبط بالقبول بقدر ما أصبح مسألة متعلقة بالتفضيل.
عندما يكون الأمر مجديًا اقتصاديًا
كما بدأت الجدوى الاقتصادية للنظارات المعززة بالذكاء الاصطناعي تتوافق مع المتطلبات. وأصبح يوجد بالفعل نحو 700 مليون شخص يرتدون عدسات تصحيحية، مما يوفر قاعدة مستخدمين جاهزة لا تعد النظارات بالنسبة إليهم خياراً يمكن الاستغناء عنه. وبالنسبة إلى هؤلاء المستهلكين، تمثل الوظائف "الذكية" ترقية إضافية وليس جهازًا إضافيًا.
وفي الوقت نفسه، انخفضت الأسعار. حيث أن أسعار التجزئة التي باتت تتراوح بين 300 و400 دولار تجعل هذه الفئة في متناول المستهلكين العاديين، الأمر الذي يشكل تبايناً حاداً مع التكاليف الباهظة التي كانت تتميز بها الإصدارات السابقة وعادةً ما يسبق هذا التلاقي بين الطلب والقدرة على تحمل التكاليف عملية الاندماج. وتشير أبحاث شركة ABI Research إلى أن الأشهر الثمانية عشر المقبلة ستكون حاسمة، حيث تتسابق الشركات لتأمين سلاسل التوريد، وعقد الشراكات، وبناء منظومات المطورين قبل أن يستقر السوق حول عدد قليل من المنصات.
رهان استراتيجي
بالنسبة إلى شركة "علي بابا"، لا تعد النظارات المزودة بالذكاء الاصطناعي منتجاً قائماً بحد ذاته بقدر ما هي امتداد لتحول استراتيجي أوسع نطاقاً. فقد أمضت الشركة العام الماضي في تقريب قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي من المستهلك، بدءاً من تطبيق Qwen وصولاً إلى التجارب التجارية التي تعتمد على الوكلاء. وتمثل النظارات خطوة إضافية في هذا الاتجاه: تتمثل في دمج تلك القدرات مباشرةً في بيئة المستخدم.
المنطق هنا بسيط وواضح. في حال صار الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من البيئة المحيطة، فسيصبح التوزيع أقل اعتماداً على التطبيقات وأكثر اعتماداً على واجهات التفاعل. والتحكم في هذه الواجهات، بدوره، هو الذي يحدد كيفية الوصول إلى المستخدمين والبيانات والمعاملات.
وفي هذا السياق، تعمل أجهزة مثل نظارات Qwen بوصفها بوابات للدخول إلى منظومة متكاملة، وليس مجرد منتجات نهائية قائمة بحد ذاتها. ولن يعتمد نجاحها على تصميم الأجهزة فحسب، بل على مدى فاعليتها في دمج الخدمات والنماذج وحالات الاستعمال الواقعية ضمن تجربة متماسكة وسلسة للمستخدم.
ملامح السوق
وإذا وصلت نظارات الذكاء الاصطناعي بالفعل إلى نقطة التحول، فمن المرجح أن تشبه ديناميكيات المنافسة تلك التي شهدتها التحولات السابقة على مستوى المنصات التقنية. ومن شأن التجزؤ المبكر للسوق، أن يفسح المجال تدريجياً للتوحيد حول عدد قليل من المنظومات، والتي تتميز كل منها بتكامل الأجهزة والبرمجيات والخدمات.
ولن يتمثل العامل الحاسم بمدى تطور أي جهاز بمفرده، بل بمدى اكتمال المنظومة التي تقف خلفه. ومن غير المرجح أن يتبنى المستهلكون هذه النظارات بوصفها أجهزة إلكترونية بسيطة؛ بل سيعتمدونها بكونها منظومات متكاملة للتفاعل.
وهذا التمييز مهم. فهو يدل على أن الفائزين في هذه الفئة لن يكونوا بالضرورة أولئك الذين يمتلكون الأجهزة الأكثر تطوراً من الناحية التقنية، بل أولئك القادرين على دمج الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية بأكبر قدر من السلاسة والانسجام.
وانطلاقاً من هذا المعيار، لا يعد ظهور أجهزة مثل نظارات Qwen مجرد إطلاق لمنتج جديد، بقدر ما هو إشارة إلى أن المنافسة لتحديد واجهة الحوسبة المستقبلية قد بدأت باكراً بالفعل.








