17 تريليون دولار حجم الإنفاق العالمي لكبار السن السكان .. 4.2 تريليونات دولار حجم السوق الدولية للاقتصاد الفضي خلال 2025

  • مركز المعلومات" بمجلس الوزراء يستعرض فرص وتحديات الاقتصاد الفضي

     

     

    1.2 مليار نسمة عدد كبار السن عالميًا "60 عامًا فأكثر" عام 2025، وبنسبة 15% من سكان العالم وتوقعات بوصول نسبتهم إلى سُدس سكان العالم بحلول عام 2030 مع تجاوز العدد 2 مليار نسمة بحلول 2050 وبنسبة 20% من البشرية

     

     

    كتب : رشا حجاج

     

     

    أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تحليلاً جديداً تناول من خلاله مفهوم الاقتصاد الفضي وتداعياته الاقتصادية، ودور الابتكار في هذا الاقتصاد، وأبرز تحديات استدامته، موضحاً أن شيخوخة المجتمع تُشكِّل أحد أبرز تحديات هذا القرن، في ظل تنامي أعداد كبار السن، وهو ما يؤثر على كيفية تنظيم العمل، وكيفية تقديم الأسواق للقيمة، وتعامل الشركات مع التحول.

     

    وفي هذا الإطار، برز الاقتصاد الفضي كاستجابة لهذه التحولات، والذي لا يقتصر على أنماط الإنتاج والاستهلاك، بل يقوم على التعبئة المثلى للموارد البشرية والتكنولوجية من خلال تطوير المنظومة الاجتماعية والاقتصادية وتكاتف الحكومات والفاعلين الاقتصاديين، بالإضافة إلى دعمه بمنظومة ابتكار مستدامة، بما يُسهم في تعظيم الاستفادة من الموارد اقتصاديًّا، وتعزيز دمج كبار السن اجتماعيًّا، وترسيخ المساواة بينهم وبين باقي المواطنين.

     

    ظهر مفهوم الاقتصاد الفضي، أو ما يُعرَف باقتصاد كبار السن، خلال العقد الأخير استجابةً للتغيرات الديموجرافية المرتبطة بالشيخوخة. ورغم عدم وجود تعريف موحّد له، فإنه يتميز عادةً بالتركيز على الفرص الناشئة عن الشيخوخة؛ حيث يمكن القول بأن مصطلح "الاقتصاد الفضي" هو الأنشطة الاقتصادية التي تُمكّن كبار السن من العيش بحياة صحية ونشطة ومنتجة، أو هو الأنشطة الاقتصادية المصممة لتلبية احتياجات ومتطلبات الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا فأكثر.

     

    ويشمل هذا المصطلح مجالين رئيسين: السلع والخدمات التي يستهلكها كبار السن مباشرةً، ومساهماتهم الاقتصادية كأعضاء فاعلين في القوى العاملة. وبالتالي، يؤدي كبار السن دورًا مزدوجًا، فهم مستهلكون للمنتجات والخدمات الأساسية لحياتهم، ومنتجون يساهمون في الاقتصاد بشكل عام.

     

    ويتميّز الاقتصاد الفضي عن الاقتصادات التقليدية بتركيزه على تلبية احتياجات كبار السن، مع الاعتماد على الابتكارات التكنولوجية، مثل الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والخدمات الرقمية والرعاية الصحية الإلكترونية في المدن الذكية، بهدف دعم استقلاليتهم وتقليل شعورهم بالوحدة.

     

    وأدى التطور في الأنماط الاستهلاكية للفئة السكانية من عمر 65 سنة فأكثر إلى إعادة التفكير وتغير النظرة الاقتصادية إلى الشيخوخة (الاقتصاد الفضي)؛ فلم يعُد التقدم في العمر يُنظر إليه كعبء اقتصادي، بل فرصة ذهبية للنمو والابتكار، مع إمكانات هائلة طويلة الأمد تسهم في ارتفاع مستوى النشاط الاقتصادي؛ فالعالم يشهد تغيرات ديموجرافية متسارعة أثرت في ديناميكية التوظيف والأجور والإنتاجية الإجمالية.

     

    وبلغ عدد كبار السن نحو 1.2 مليار نسمة في عام 2025، بما يمثل 15% من سكان العالم، ومن المتوقع أن يتجاوز 2 مليار نسمة بحلول 2050، أي أكثر من 20% من البشرية، مع معدل نمو يفوق ثلاثة أضعاف نمو السكان الإجمالي. وتركز السوق الدولية للاقتصاد الفضي (SEM) على منتجات وخدمات مخصصة لكبار السن، مثل: الإسكان المناسب، والرعاية الصحية الوقائية، والمنتجات المالية الملائمة. وقد بلغ إنفاق هذه الفئة نحو 17 تريليون دولار في عام 2025، وقُدِّر حجم السوق الدولية للاقتصاد الفضي (يُقصَد بحجم السوق الدولية للاقتصاد الفضي هنا الجزء المتخصص من الإنفاق الموجَّه للسلع والخدمات المصممة بشكل خاص لكبار السن) بنحو 4.2 تريليونات دولار في العام نفسه، وهو ما يمثل 25% من إجمالي إنفاق الأفراد الذين تزيد أعمارهم على 60 عامًا، وبمعدل نمو سنوي 7.6%، مع استبعاد الإنفاق العام كالرعاية الصحية المدعومة والدعم الاجتماعي.

     

    ومن المتوقع بحلول عام 2030 أن يصل سُدس سكان العالم إلى 60 عامًا فما فوق، ويرتفع عددهم من مليار نسمة في عام 2020 إلى 1.4 مليار نسمة عام 2030، وأيضًا من المتوقع أن يتضاعف عدد البالغين 60 عامًا فما فوق ليصل إلى 2.1 مليار نسمة بحلول عام 2050، بينما سيزداد عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 80 سنة فأكثر ثلاثة أضعاف بين عامي 2020 و2050 ليصل إلى 426 مليون نسمة.

     

    وعلى الرغم من أن هذا التحول في توزيع السكان المتسم بتزايد أعداد كبار السن بدأ في البلدان ذات الدخل المرتفع، مثل اليابان حيث يمثل الأشخاص فوق 60 سنة نحو 30% من السكان، فقد أصبحت البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل تشهد الآن الجزء الأكبر من هذا التحول، ومن المتوقع أن تستضيف هذه البلدان ثلثي سكان العالم الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا فما فوق بحلول عام 2050.

     

    وفي هذا الإطار، استعرض التحليل ثلاثة محاور رئيسة للتغيرات الديموجرافية لا يمكن تجاهلها:

     

    أولها: في أن عدد كبار السن يتزايد في الدول النامية بوتيرة أسرع بكثير من الدول المتقدمة؛ فبينما استغرقت فرنسا 115 عامًا لارتفاع نسبة من هم فوق 65 عامًا من 7% إلى 14%، ستشهد دول مثل البرازيل والصين والهند وفيتنام التحول نفسه خلال أقل من 30 عامًا.

     

    ثانيًا: يمتد أثر زيادة متوسط العمر إلى جميع مناطق العالم، ومن ذلك على سبيل المثال إفريقيا جنوب الصحراء؛ حيث يُتوقع أن يرتفع عدد كبار السن بما يضاهي مستويات أوروبا، ليرتفع من 70 مليونًا عام 2020 إلى 235 مليونًا بحلول 2050.

     

    ثالثًا: فرص التمتع بحياة طويلة وصحية؛ إذ إن نسبة متزايدة من كبار السن يتمتعون بسنوات أطول من الحياة الصحية مقارنة بالأجيال السابقة؛ مما يجعل استمرار مشاركتهم في النشاط والعمل عنصرًا أساسيًّا للتعامل بفاعلية مع هذا التحول الديموجرافي.

     

    حظيت شيخوخة السكان باهتمام متزايد عالميًا خلال العقود الماضية؛ حيث وصفتها منظمة الصحة العالمية بأنها أحد أعظم إنجازات البشرية، لكنها في الوقت نفسه تمثل تحديًا عالميًّا يفرض أعباءً اقتصادية واجتماعية متزايدة على جميع الدول. وأكدت المنظمة أن التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب تحركًا سياسيًّا على المستويات الدولية والوطنية والإقليمية والمحلية، محذرة من أن الإخفاق في الاستجابة سيؤدي إلى تداعيات اجتماعية واقتصادية وسياسية واسعة النطاق.

     

    وعلى الصعيد الدولي، اعتمدت الجمعية العالمية الثانية للشيخوخة في أبريل 2002 بمدريد، خطة عمل عالمية لمواجهة الفرص والتحديات الناتجة عن شيخوخة السكان في القرن الحادي والعشرين، وتعزيز بناء مجتمع يشمل جميع الأعمار. وتقدم خطة عمل مدريد الدولية للشيخوخة (MIPAA) إطارًا عمليًا لدعم صانعي السياسات في التعامل مع التحولات الديموجرافية، مع الدعوة إلى إدماج قضايا الشيخوخة في السياسات الوطنية وبرامج التنمية. وتركز الخطة على ثلاثة محاور رئيسة: كبار السن والتنمية، تعزيز الصحة والرفاهية في سن الشيخوخة، وتهيئة بيئات داعمة ومُمكِّنة. كما ترتكز على نهج تصاعدي يضمن تنفيذها وفقًا للسياقات الخاصة بكل مجتمع، مع إشراك مختلف أصحاب المصلحة، بما في ذلك كبار السن أنفسهم، لإيجاد حلول تعكس المعارف والعادات والتقاليد المحلية، إلى جانب التأكيد على أهمية الرصد والتقييم المستمر لاستخلاص الدروس وتحسين الأداء.

     

     وقد بدأت منظمة الصحة العالمية (المكتب الإقليمي لأوروبا) أولى مناقشاتها مع الدول الأعضاء لإعداد استراتيجية إقليمية جديدة للشيخوخة بعنوان "الشيخوخة هي الحياة: تعزيز الصحة والرفاهية مدى الحياة (2026 - 2030)"، وتهدف هذه الاستراتيجية إلى دعم البلدان لبناء مجتمعات وأنظمة صحية أكثر شمولًا لكبار السن، من خلال التركيز على الوقاية وتحويل أنظمة الرعاية وتهيئة بيئات تمكِّن الأفراد من العيش في الشيخوخة بصحة وكرامة، مع تشجيع الاستثمارات طويلة الأجل في بيئات تمكينية تدعم الشيخوخة الصحية للأجيال القادمة.

     

    اعتبر صندوق الأمم المتحدة للسكان أن شيخوخة السكان تمثل انتصارًا عالميًا للتنمية، لكنها تتطلب إعادة التفكير في الركائز الأساسية للمجتمع الحديث، مثل خطط التقاعد، وأسواق العمل، والرعاية الصحية، والتعليم، والإسكان، والبنية التحتية. ومن أجل مساعدة البلدان في مواجهة تحديات انخفاض الخصوبة والهجرة وتغير التركيبة السكانية، أطلق الصندوق برنامج المرونة الديموجرافية لدعم الدول في كل مرحلة من مراحل التحول الديموجرافي. ويشمل البرنامج جمع البيانات السكانية، وتحليل الروابط بين السكان والتنمية، وحوارات السياسات، إلى جانب تقديم الدعم الفني في صياغة الاستراتيجيات والسياسات للتعاطي مع شيخوخة السكان، وانخفاض عدد السكان، والهجرة.

     

    أوضح التحليل أن التداعيات الاقتصادية لشيخوخة السكان عالميًا متعددة الأبعاد، نتيجة تغير معدلات الخصوبة والوفيات والهجرة. ونظرًا لمرور دورة حياة الفرد بمراحل الميلاد والتعليم والعمل ثم التقاعد، فإن الحدود العمرية للنشاط الاقتصادي والتقاعد مقارنة بمتوسط العمر المتوقع تؤدي دورًا حاسمًا في الأداء الاقتصادي؛ فارتفاع نسبة السكان في سن العمل (15 - 64 عامًا) يدعم عرض العمل والنمو، بينما زيادة نسبة إعالة كبار السن (65 عامًا فأكثر مقارنة بالسكان في سن العمل) تفرض ضغوطًا على النمو والمالية العامة بسبب ارتفاع الإنفاق على المعاشات والرعاية الصحية وطويلة الأجل، خاصة مع امتداد سنوات الحياة بعد التقاعد. ولا يقتصر الأمر على العمر الزمني، بل يشمل الشيخوخة الفسيولوجية؛ إذ يؤثر الوضع الصحي والوظيفي في قرارات المشاركة في سوق العمل والإنتاجية، بما ينعكس على قرارات التعليم والعمل والادخار، ومن ثم على عرض العمل الكلي والنمو الاقتصادي.

    ورغم ما يوفره الاقتصاد الفضي من فرص واعدة للنمو وتعزيز الاستدامة الاجتماعية، فإنه يواجه تحديات هيكلية تتطلب تدخلات مدروسة، ما يتطلب تعزيز الشفافية وتشديد الرقابة على الصناديق والحد من الاستثمارات عالية المخاطر، كما يظهر قصور في الخدمات والمنتجات المخصصة لكبار السن؛ إذ يُنظر إليهم أحيانًا كسوق تقليدية لا تحتاج إلى ابتكار. لذلك، يصبح دعم جمعيات وشبكات كبار السن، وتشجيع البرامج التي تعزز نشاطهم وتوظف خبراتهم، أمرًا ضروريًّا لتمكينهم ومشاركتهم الفاعلة في المجتمع.

     

    وأسهم التوسع الكبير في شريحة كبار السن في بروز فرص استثمارية وابتكارية واسعة في عدة قطاعات، ففي الصحة، يشهد قطاع الطب نموًا ملحوظًا مع ارتفاع الطلب على الخدمات الطبية والتقنيات الصحية المتقدمة التي تلبي احتياجات كبار السن.

     

    وفي التكنولوجيا، أصبحت الحلول الذكية مثل: الأجهزة والتطبيقات الصحية الرقمية، والساعات الذكية، ومراقبة المؤشرات الحيوية، أدوات رئيسة لتحسين جودة حياتهم، إضافة إلى مساهمة الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي في تسهيل إدارة الموارد المالية وحمايتهم من الاحتيال المالي. كما أسهمت تقنيات المنازل الذكية وإنترنت الأشياء في توفير بيئات آمنة ومريحة داخل المنزل، مع إرسال تنبيهات للأسر أو مقدمي الرعاية عند رصد أي تغييرات في أنماط الحركة.

     

    أما في قطاع السياحة، فيزداد الطلب على تجارب سفر مريحة ومخصصة تلبي الاحتياجات الصحية ورفاهية كبار السن، ما يعزز الاقتصادات المحلية من خلال زيادة الطلب على الخدمات الفندقية والمطاعم، ويدعم الاستثمار في البنية التحتية ويوفر فرص عمل جديدة.

    وقد أدى التطور في أنماط الاستهلاك لهذه الفئة إلى إعادة النظر في الاقتصاد الفضي، بحيث لم يعُد التقدم في العمر عبئًا اقتصاديًّا، بل أصبح يمثل فرصة للنمو والابتكار، مع إمكانات طويلة الأمد لزيادة الإنتاجية وتعزيز الموارد المالية، وذلك من خلال تبني سياسات تدعم الشيخوخة الصحية وتشجع مشاركة كبار السن في سوق العمل.

     

    أفاد التحليل في ختامه أن شيخوخة السكان تعكس تحولًا ديموجرافيًا واسع النطاق يحمل في طياته تحديات وضغوطًا على أسواق العمل وأنظمة التقاعد والرعاية الصحية، لكنه في الوقت ذاته يفتح آفاقًا اقتصادية جديدة. ويُعد الاقتصاد الفضي إطارًا يستهدف تعبئة الموارد البشرية والتكنولوجية، وتعزيز مساهمة كبار السن كمستهلكين ومنتجين. كما أن دعمه بالابتكار وسياسات مرنة يُسهم في تعظيم الاستفادة من هذا التحول.

    حمّل تطبيق Alamrakamy| عالم رقمي الآن