تجاوزات شركات التمويل بين "سرعة الإجراءات " و " العمى الرقابي "
" ثغرة قانونية " تُستغل في عمليات النصب الممنهج لعل أولها " غياب الاستعلام الميداني الجاد "
كتب : ساره نور الدين
تخيل أن تستيقظ يوماً لتجد نفسك مديوناً بملايين الجنيهات لشركات تمويل لم تسمع عنها من قبل، والسبب؟ "رقم قومي" و"وصل أمانة" قدمته بحسن نية لإدارة مدرسة طفلك!
هذا الكابوس تحول إلى حقيقة صادمة هزت الرأي العام، بعد الكشف عن استغلال مدير مدرسة دولية لبيانات أولياء الأمور الشخصية، والاستيلاء من خلالها على قروض استهلاكية ضخمة بلغت قيمتها 350 مليون جنيه دون علمهم.
الفاجعة لم تكشف فقط عن سقوط أخلاقي لأمين على العملية التعليمية، بل دقت ناقوس الخطر الأكبر حول "الثغرات القاتلة" في منظومة التمويل الاستهلاكي، وتحول بعض الشركات إلى منصات لتمرير الأموال دون تدقيق، مما يفتح الباب واسعاً أمام تساؤل حتمي: أين الرقابة على سوق بات يهدد السلم الاجتماعي؟
الخديعة الكبرى
فمن فصول الدراسة إلى غرف التحقيق: تفاصيل "الخديعة الكبرى"بدأت الخيوط تتكشف ببلاغات جماعية من أولياء أمور فوجئوا برسائل نصية وإنذارات قضائية تطالبهم بسداد أقساط مديونيات خيالية.بالبحث والتدقيق، تبين أن مدير المدرسة استغل "ملفات الطلاب" وما تحويه من أوراق رسمية، ودخل في دوامة من التواطؤ أو "التساهل الأعمى" مع مندوبي شركات تمويل استهلاكي، ليقوم بتسييل قروض لشراء سلع وخدمات وهمية، ليختفي المدير ومعه 350 مليون جنيه، تاركاً مئات الأسر في مواجهة مباشرة مع السجن أو الديون.
وتعتمد إستراتيجية شركات التمويل الاستهلاكي بالأساس على شعار "التمويل في 5 دقائق".
فى هذا التحقيق نحاول الكشف كيف تحول هذا الشعار الاستثماري إلى "ثغرة قانونية" تُستغل في عمليات النصب الممنهج لعل أولها " غياب الاستعلام الميداني الجاد: " اذ كيف يتم الموافقة على قروض بمئات الملايين دون التحقق من الوجود الفعلي للمقترض أو قدرته المالية؟
بالاضافة الى " إغراء العمولات للمندوبين " حيث تضغط الشركات على مندوبي المبيعات لتحقيق "تارجت" مرتفع، مما يدفع بعضهم للتغاضي عن تزوير التوقيعات أو عدم مطابقة الصور بأصحابها .
بجانب الاعتماد على "شيكات الدفع الإلكتروني" الوهمية: تمرير المعاملات عبر تطبيقات الهاتف دون اشتراط حضور العميل الفعلي أو تفعيل البصمة البيومترية.
خبراء الاقتصاد والقانون
ويؤكد الخبراء أن غياب التنسيق بين الجهات الرقابية صنع "الوحش" حيث يؤكد خبراء القانون أن الواقعة تعكس "فجوة تنظيمية" واضحة. فالقانون ينظم عمل هذه الشركات، لكن التطبيق على الأرض يشوبه التراخي.
على حين يؤكد خبراء الاقتصاد أن "التمويل الاستهلاكي نشأ لإنعاش الأسواق، لكن غياب الربط اللحظي والصارم بين قواعد بيانات الشركات والجهة الرقابية، جعل من السهل على أي محتال يمتلك 'داتا' لمواطنين أن يحولها إلى ملايين الجنيهات في ساعات".
روشتة الإنقاذ
وحول كيف نحمي أموال المواطنين من "الفوضى الائتمانية"؟ فانه فمن المهم ان نؤكد لم تعد المسألة مجرد جريمة جنائية ارتكبها مدير مدرسة، بل أصبحت قضية أمن اقتصادي تتطلب ثورة تصحيحية في سوق التمويل الاستهلاكي، من خلا تطبيق العديد من الإجراءات فورية وأوبها " التحقق الثنائي والبيومتري" اذ لابد من إلزام الشركات بعدم تفعيل أي قرض إلا ببصمة الوجه أو الإصبع اللحظية للعميل، وربطها بمنظومة الأحوال المدنية.
كذلك لابد من تغليظ العقوبات على الشركات المتواطئة عبر فرض غرامات مالية ضخمة تصل إلى سحب تراخيص الشركات التي يثبت تساهل مندوبيها في مراجعة البيانات مع وضع "حد أقصى للتمويل بدون ضمانات عينية " حيث ان تحجيم السقوف الائتمانية الممنوحة عبر التطبيقات الإلكترونية للأفراد لمنع التضخم الجنائي للديون.
أمن البيانات
مع المطالبة بتشديد الرقابة على "أمن البيانات" في المؤسسات ومعاقبة أي جهة (مدارس، مستشفيات، نوادي) تسرب أو تسهل الوصول لبيانات المتعاملين معها باعتبارها جريمة أمن قومي.
و ستظل قضية الـ 350 مليون جنيه نقطة تحول فارقة؛ فإما أن تمر كحادثة نصب عابرة ينتظر ضحاياها كلمة القضاء، وإما أن تكون الشرارة التي تعيد الانضباط إلى سوق التمويل الاستهلاكي. إن حماية بيانات المواطنين لم تعد رفاهية، وفرض الرقابة الحديدية على غول التمويل السريع باتت مسألة حياة أو موت للمجتمع ومؤسساته.








