"By Whom… "هوية المتحدث جزء من القيمة

  • بقلم : عبدالرحمن عنايت

    W7Worldwide للاستشارات الإستراتيجية والإعلامية

     

    لم يعد تأثير الرسائل المؤسسية يُحسم فقط بما يُقال، بل بات يتشكل بشكل أعمق من خلال "من يقول". هذا التحول، الذي يلخصه مفهوم By Whom، أعاد وضع هوية المتحدث في قلب معادلة الاتصال، وجعل من حضور القيادات التنفيذية عنصرًا أساسيًا في بناء الثقة وتشكيل الانطباع العام. وفي ظل بيئة أعمال تتحرك بسرعة وتتشابك فيها التأثيرات، لم يعد غياب القيادة مجرد تفصيل تنظيمي، بل عنصرًا قد ينعكس مباشرة على صورة المؤسسة ومكانتها.

    في الواقع، لم تعد السمعة تُبنى على الرسائل وحدها، فالمؤسسات اليوم لا تُقرأ من خلال ما تصدره من بيانات أو تصريحات، بل عبر من يتحدث باسمها، وما إذا كان هذا الصوت قادرًا على خلق الثقة. وهنا يصبح By Whom أكثر من مفهوم نظري، إنه عدسة جديدة لفهم الاتصال الحديث، حيث تتحول هوية المتحدث إلى جزء لا ينفصل عن قيمة الرسالة.

    ضمن هذا الإطار، لم يعد حضور القيادات التنفيذية مجرد نشاط إعلامي أو ظهور موسمي، بل أصبح أداة لإدارة الثقة. فحتى الرسائل القوية تفقد جزءًا من تأثيرها إذا لم تصدر عن مصدر موثوق. ولهذا يبرز القائد التنفيذي باعتباره امتدادًا لرؤية المؤسسة، وصوتًا يعكس استقرارها واتجاهها، لا مجرد موقع إداري. ومع الوقت، يتراكم هذا الحضور ليصبح عنصرًا ملموسًا في تشكيل السمعة، ويؤثر بشكل غير مباشر على القيمة الاقتصادية للمؤسسة وتقييمها في السوق وقرارات المستثمرين والشركاء.

    ومع هذا التحول، تغيّر السؤال داخل المؤسسات، إذ لم يعد النقاش يدور حول جدوى ظهور القادة إعلاميًا، بل أصبح أكثر حساسية: ماذا يحدث عندما يغيبون؟ ف بيئة إعلامية سريعة ومتصلة، لا يمر الصمت دون تفسير، وغالبًا ما يُملأ هذا الفراغ بتأويلات قد لا تعكس الواقع بدقة، لكنها تبقى مؤثرة في تشكيل صورة المؤسسة لدى الجمهور.

    ولا يتوقف الأثر عند حدود الصورة الذهنية، إذ تظهر الدراسات الدولية أن نحو 44% من القيمة السوقية للشركات يرتبط بشكل مباشر بسمعة الرئيس التنفيذي، وهو ما يعكس انتقال السمعة القيادية من كونها عنصرًا معنويًا إلى عامل اقتصادي مؤثر، وكلما ارتفعت مصداقية القيادة، انعكس ذلك على ثقة السوق وتقييم المؤسسة، والعكس صحيح. وهنا تتضح أهمية الفكرة: أحيانًا يكون "من يتحدث" بنفس وزن "ما يُقال".

    ويمتد أثر القيادة إلى داخل المؤسسة أيضًا، حيث يرى نحو 81% من الموظفين أن حضور القيادات التنفيذية يُسهم في تحسين بيئة العمل. فوضوح القيادة واستمرارية التواصل يعززان الانتماء، ويرفعان مستوى التماسك الداخلي، ويقللان من الغموض التنظيمي الذي قد ينعكس على الأداء اليومي.

    حيث لم يعد القادة التنفيذيون يمثلون مؤسساتهم فقط، بل يعكسون نضج القطاعات التي ينتمون إليها، ويسهم حضورهم في تعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني ومسار التحول الشامل، بما يتجاوز حدود المؤسسة إلى الصورة الكلية للاقتصاد.

    ختامًا، لم يعد حضور القيادات التنفيذية خيارًا إضافيًا في الاتصال المؤسسي، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في معادلة الثقة والسمعة، فالمؤسسات لا تُفهم اليوم من رسائلها فقط، بل من الأشخاص الذين يقفون خلفها. ومع ترسخ هذا المفهوم، يتحول By Whom إلى عنصر إستراتيجي يُظهر قدرة المؤسسة على التأثير، ويحدد موقعها في اقتصاد تُبنى قواعده الأولى على الثقة قبل أي شيء آخر.

    حمّل تطبيق Alamrakamy| عالم رقمي الآن