حتى في مراحله المبكرة، يجد العلماء أن الذكاء الاصطناعي يُغير أدمغة مستخدميه. وتتزايد المقالات الصحفية التي تُحذر من مخاطر الذكاء الاصطناعي بوتيرة مُقلقة، لا سيما بالنسبة للفئات الأكثر عرضة للخطر كالأطفال ومن يعانون من مشكلات نفسية مُسبقة.
ويُعدّ ما يُعرف بـ"ذهان الذكاء الاصطناعي" محور هذا النقاش، وهي ظاهرة يُعاني فيها المستخدمون من أوهام ناتجة عن تفاعلهم مع الذكاء الاصطناعي.
وتتكرر في وسائل الإعلام قصص مقلقة تُؤكد هذه الظاهرة، بما في ذلك حالات لمستخدمين عانوا من أوهام رومانسية، أو جنون ارتياب، أو حتى انتحروا. وقد رفعت العديد من العائلات دعاوى قضائية ضد شركات أوبن إيه آي وغوغل وCharacter.AI، مُدّعيةً أن روبوتات الدردشة الشهيرة التابعة لها ساهمت في انتحار أحبائهم.
ويُعزز هذه الأدلة عددٌ متزايد من الدراسات العلمية التي تُحلل هذه الظاهرة، بحسب تقرير لموقع "BGR" المتخصص في أخبار التكنولوجيا، اطلعت عليه "العربية Business".
وكتب الدكتور هاميلتون مورين، الباحث في الطب النفسي الذي أجرى تحليلًا شاملًا لهذه الظاهرة، في مجلة لانسيت للطب النفسي، أن "الأدلة الناشئة تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي الوكيل قد يؤكد أو يُضخّم المحتوى الوهمي أو المبالغ فيه، لا سيما لدى المستخدمين الأكثر عُرضة بالفعل للذهان".
ويؤكد مورين أن الإجماع العلمي لا يزال مُنقسمًا حول ما إذا كانت روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي قادرة على التسبب في "نشوء ذهان جديد في غياب قابلية سابقة" للإصابة به.
كانت الحالات الأكثر شيوعًا هي تلك التي عانى فيها المستخدمون من أوهام العظمة التي غالبًا ما أضفت على الذكاء الاصطناعي وعيًا غامضًا.
وعلى الرغم من هذا الكم المتزايد من الأدلة، فإن هذه الظاهرة محل جدل داخل هذا القطاع. فقد ألقى بعض المسؤولين التنفيذيين، مثل إيلون ماسك من شركة إكس إيه آي، باللوم على الخوارزميات المُنافسة في هذه الظاهرة.
بينما كان آخرون، مثل داريو أمودي من شركة أنثروبيك، أكثر صراحةً في التحذير من الآثار النفسية المُحتملة للذكاء الاصطناعي. أما سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي، فقد وصف هذه المشكلة إلى حد كبير بأنها التكاليف المُؤسفة لممارسة هذا النوع من الأعمال.
وفي منشور على منصة إكس ردًا على انتقادات ماسك، كتب ألتمان: "ما يقارب مليار شخص يستخدمون (ChatGPT)، وقد يكون بعضهم في حالة نفسية هشة للغاية".
الذكاء الاصطناعي معالج نفسي متملق
بينما حدد العلماء عدة عوامل تساهم في ذهان الذكاء الاصطناعي، يبرز جانب واحد فوق غيره، وهو حاجته الدائمة لموافقة المستخدم.
وفي سياق الصحة النفسية، يتجلى هذا فيما يسميه الباحثون "التملق الاجتماعي للذكاء الاصطناعي"، حيث تُبالغ النماذج اللغوية الكبيرة في تأكيد سلوك المستخدم ومعتقداته بغض النظر عن صحتها ومنطقيتها.
فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة نُشرت في دورية "ساينس" أن أنظمة الذكاء الاصطناعي أيدت سلوك المستخدمين بنسبة 49% أكثر من نظرائها من البشر. علاوة على ذلك، شجعت النماذج اللغوية الكبيرة على سلوكيات إشكالية في نصف الحالات تقريبًا.
هذا السلوك "المتملق" المُدمج في نماذج الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي إلى عواقب خطيرة. فقد وجدت دراسة أُجريت في فبراير 2026 في جامعة آرهوس في الدنمارك أن استخدام روبوتات الدردشة قد يترتب عليه "عواقب سلبية خطيرة على الأشخاص الذين يعانون من أمراض نفسية".
ووفقًا للبروفيسور سورين دينيسن أوسترجارد الذي شارك في هذه الدراسة، فقد أظهرت النتائج أن الاستخدام المطوّل للذكاء الاصطناعي "يبدو أنه يسهم بشكل كبير في ترسيخ أوهام العظمة أو جنون الارتياب، على سبيل المثال".
كما لاحظ الباحثون زيادة في الأفكار الانتحارية، واضطرابات الأكل، واضطراب الوسواس القهري، وغيرها من مشكلات الصحة النفسية. وبيّنت الدراسة أيضًا أن كلما طالت علاقة المستخدم مع وكيل ذكاء اصطناعي، زادت الآثار السلبية.
وقد روّج بعض الرؤساء التنفيذيين الطموحين للذكاء الاصطناعي باعتباره حلًا لأزمة الوحدة المتفاقمة. لكن دراسة آرهوس تناقض هذه الادعاءات، إذ وجدت أن استخدام الذكاء الاصطناعي لم يخفف الشعور بالوحدة إلا في 32 حالة فقط من أصل 54 ألف مريض.
مستقبل مُقلق
لا يزال قياس مدى انتشار "الذهان الناتج عن الذكاء الاصطناعي" يُمثل تحديًا. ومع ذلك، قدمت دراسة حديثة أجرتها شركة الذكاء الاصطناعي البارزة "أنثروبيك" أول لمحة عن النطاق المحتمل لهذه المشكلة.
أجرت الدراسة، التي نُفذت بالتعاون مع باحثين من جامعة تورنتو، تحليلًا ل 1.5 مليون محادثة مع "كلود"، وهو مساعد الذكاء الاصطناعي التابع لشركة أنثروبيك.
ورغم أن الباحثين وجدوا أن حالات "فقدان السيطرة" الشديدة حدثت في أقل من واحدة من كل ألف محادثة، فإنهم أشاروا إلى أنه "بسبب حجم استخدام الذكاء الاصطناعي، فإن حتى هذه المعدلات المنخفضة تتحول إلى أعداد مطلقة ذات دلالة".
وتزداد المخاوف مع ازدياد تعلق المستخدمين عاطفيًا بالذكاء الاصطناعي. فقد وجدت دراسة أجراها مشروع "Collective Intelligence Project" في عام 2025 أن معظم الناس يثقون في روبوتات الدردشة أكثر من المسؤولين المنتخبين، والزعماء الدينيين، والموظفين الحكوميين.
ويستخدم ثلثاهم هذه التقنية بالفعل للحصول على الدعم النفسي. علاوة على ذلك، يستخدم القاصرون، الأكثر عرضة لأوهام الذكاء الاصطناعي، روبوتات الدردشة بشكل متزايد بطرق قد تؤدي إلى الذهان المرتبط به.
ووفقًا لتقرير صادر عن مؤسسة "كومن سينس ميديا" عام 2025، استخدم ما يقرب من ثلث المراهقين الأميركيين الذكاء الاصطناعي للحصول على الدعم العاطفي أو التفاعل الاجتماعي أو العلاقات الرومانسية، وغالبًا ما كانوا يفضلون روبوتات الدردشة على التفاعلات مع البشر الآخرين.








