بقلم : روبرتو بوكا
رئيس مركز الطاقة والمواد في المنتدى الاقتصادي العالمي
بحسب مؤشر تحول الطاقة لعام 2026 الصادر اليوم عن المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن التوترات الجيوسياسية واضطرابات الإمداد وارتفاع الطلب تُؤدي إلى تفتيت قطاع الطاقة العالمي وإبطاء وتيرة التقدم فيه.
ويُشير التقرير، الذي أُعدّ بالتعاون مع شركة أكسنتشر، إلى أن تحول الطاقة العالمي - الذي يُعرّف بأنه التقدم نحو أنظمة طاقة أكثر استدامة وإنصافًا وأمانًا - قد توقف رغم الاستثمارات العالمية القياسية التي بلغت 3.3 تريليون دولار، منها 2.3 تريليون دولار في الطاقة النظيفة. ويُشير البحث إلى فجوة متزايدة بين توظيف رأس المال وجاهزية التحول، التي تراجعت للمرة الأولى منذ أكثر من عقد، مما يُوحي بأن الاستثمار وحده لم يعد كافيًا للحفاظ على الزخم.
وقد فاقم الاضطراب في مضيق هرمز الضغوط القائمة التي حددها المؤشر، مما يُؤكد مدى تعرض أنظمة الطاقة للصدمات الجيوسياسية، لا سيما الاقتصادات الناشئة التي تعتمد على الاستيراد. وتُعرّض مخاطر الإمداد والقيود الهيكلية الدول لضغوط متزايدة وغير متكافئة، مما يُؤثر على القدرة على تحمل التكاليف والمرونة والاستدامة على المدى الطويل. بالنظر إلى المستقبل، ستساعد الاستجابة للأزمة الحالية في تحديد ما إذا كان سيتم التعامل مع أمن الطاقة واستدامتها كأولويات متنافسة أم كأهداف متكاملة.
"إن عملية التحول في قطاع الطاقة لا تتراجع، بل تتصدع. في ظل بيئة اقتصادية جيوسياسية أكثر تقلباً، يُعدّ الأمن والقدرة على تحمل التكاليف والمرونة عناصر أساسية لاستدامة التقدم. ويتطلب سد الفجوة بين الطموح والتنفيذ أسساً أقوى، بما في ذلك أنظمة طاقة أكثر تنوعاً ومرونة، وتسريع وتيرة بناء البنية التحتية، وتوفير رأس مال يصل إلى الأسواق التي هي في أمسّ الحاجة إليه".
يقيس مؤشر التحول في قطاع الطاقة (ETI) أداء أنظمة الطاقة الوطنية عبر ثلاثة أبعاد رئيسية - الأمن والاستدامة والإنصاف - ومدى جاهزية البيئة الداعمة لهذا التحول. وقد ظلت نتائج مؤشر التحول في قطاع الطاقة الإجمالية ثابتة إلى حد كبير على أساس سنوي، مما يعكس تباطؤاً في الزخم العالمي. تراجع أمن الطاقة وجاهزية التحول - أي الشروط المتعلقة بالسياسات والبنية التحتية والاستثمار والابتكار اللازمة لاستدامة التقدم طويل الأجل - قلل من المكاسب المحققة في أماكن أخرى وسط ظروف تمويل أكثر صعوبة وقيود على البنية التحتية. ورغم تزايد التحديات، حسّنت 60% من الدول نتائجها الإجمالية، إلا أن التقدم المتوازن بات أكثر تركيزًا، حيث لم تتحسن سوى دولة واحدة من بين كل أربع دول في الأبعاد الثلاثة جميعها.
"يدخل التحول في قطاع الطاقة مرحلة أكثر اضطرابًا وتحديًا، مما يجعل مرونة المؤسسات أولوية متزايدة الأهمية لقادة الأعمال. وستكون المؤسسات التي تستخدم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتحسين قدرتها على التكيف، وتعزيز عملية صنع القرار، والاستجابة بفعالية أكبر للتغيير، في وضع أفضل للتغلب على حالة عدم اليقين واستدامة النمو طويل الأجل".
وواصلت دول الشمال الأوروبي تصدر تصنيفات مؤشر التحول في قطاع الطاقة، بينما كانت سنغافورة من بين الدول التي حققت أكبر تقدم، حيث صعدت عشرة مراكز في المؤشر، مدفوعةً بلوائح جديدة والتزام سياسي أقوى. احتلت الاقتصادات المتقدمة 14 مركزًا من المراكز العشرين الأولى، لكن التقدم كان متفاوتًا ومتوقفًا إلى حد كبير، حيث لم تتجاوز الزيادة في متوسط الدرجات الإجمالية 0.2% على أساس سنوي. وضمت قائمة أفضل 20 اقتصادًا ستة اقتصادات من مجموعة العشرين: ألمانيا (التاسعة)، وفرنسا (العاشرة)، والمملكة المتحدة (الحادية عشرة)، والصين (الرابعة عشرة)، والبرازيل (السابعة عشرة)، والولايات المتحدة (التاسعة عشرة). ومن بين الاقتصادات الكبرى، واصلت الصين زيادة استثماراتها في الطاقة النظيفة بمستويات قياسية، وسجلت الهند أحد أقوى المكاسب في جاهزية التحول، بينما حافظت الولايات المتحدة على أداء قوي في مجال أمن الطاقة رغم تراجعها الطفيف إجمالًا.
وعلى الصعيد الإقليمي، سجلت منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أقوى المكاسب، بينما تراجعت أمريكا اللاتينية وسط انخفاض جاهزية التحول. وظلت البرازيل رائدة إقليميًا، مدعومة بمزيجها القوي من مصادر الطاقة. وشهدت دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أيضًا تراجعًا ملحوظًا، حيث أثر ضعف الالتزامات السياسية والاستثمار في البنية التحتية سلبًا على التقدم، على الرغم من تميز المملكة العربية السعودية بمكاسب مدفوعة بدعم مالي كبير ونشر واسع النطاق للطاقة المتجددة.
يتشكل التباين الإقليمي بفعل الضغوط الهيكلية. نما الطلب العالمي على الكهرباء بنسبة 3% مدفوعًا بالكهرباء والتبريد والبنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي، ويبرز هذا النمو كعائق رئيسي أمام عملية التحول. تمثل الاقتصادات الناشئة نحو 80% من نمو الطلب، لكنها لا تزال تواجه ارتفاعًا في تكاليف التمويل ونقصًا في البنية التحتية. في الوقت نفسه، ورغم الاستثمارات القياسية الإجمالية، لا يزال رأس مال الطاقة النظيفة شديد التركيز، حيث يتدفق نحو 75% منه إلى عدد محدود من الاقتصادات، مما يزيد الفجوة بين أماكن استثمار رأس المال وأماكن تزايد الطلب.








