دائرة التمكين الحكومي: توسّع تبنّي الذكاء الاصطناعي يزيد أهمية دور الإنسان في صنع القرار وتحمّل مسؤولياته

  • تقرير جديد للدائرة : يتراجع عدد القرارات التي يتخذها الأفراد مع تولّي الذكاء الاصطناعي مزيدًا من المهام الروتينية، فيما تزداد أهمية كل قرار وما يترتب عليه من مسؤوليات ونتائج.

     

    - أربعة سيناريوهات لمستقبل العمل حتى عام 2040، ويحدد سيناريو "التكامل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي" بوصفه السيناريو المفضل، إذ يؤدي فيه الذكاء الاصطناعي دورًا مساندًا، ويبقى الحكم النهائي واتخاذ القرار بيد الإنسان

     

    كتب : وائل الجعفري

     

     

    أطلقت دائرة التمكين الحكومي – أبوظبي تقريرًا استشرافيًا جديدًا يطرح مفهوم "مفارقة القوى العاملة الأخفّ حجمًا"، وهي ظاهرة يتخذ فيها الأفراد قرارات أقل مع تولّي الذكاء الاصطناعي مزيدًا من المهام الروتينية والتحليلية، بينما تزداد أهمية كل قرار وتبعاته. ويرى التقرير أن التعامل الفعّال مع هذه الظاهرة سيكون من أبرز تحديات الحوكمة خلال العقد المقبل.

     

    ومع انتقال الذكاء الاصطناعي من أداة مساندة إلى جزء أساسي من العمليات المؤسسية، يصبح السؤال ليس ما الذي يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام به، بل ما المسؤوليات التي ينبغي أن تبقى بيد الإنسان. ويبيّن التقرير أن الإشراف البشري، والتعامل مع الحالات الاستثنائية، والحكم الأخلاقي، وتحمّل النتائج، ستزداد أهميةً كلما اتسع نطاق عمل المؤسسات وتسارعت وتيرته.

     

    من جهتها قالت ربى يوسف الحسن، المدير العام للشؤون الاستراتيجية واستشراف المستقبل في دائرة التمكين الحكومي: "ينصبّ معظم النقاش اليوم على وتيرة تبنّي الذكاء الاصطناعي في العمل الحكومي، غير أننا نرى أن الأولوية تكمن في تحديد دور الإنسان ومسؤولياته مع تولّي الأنظمة الذكية جزءًا أكبر من العمل".

     

    وأضافت سعادتها: "مع تراجع عدد القرارات البشرية وتنامي أثرها، ينبغي أن يحافظ الأفراد على المهارات والثقة اللازمة لممارسة الحكم عندما يتطلب الأمر التدخل البشري. ولا يقتصر هذا الأمر على العمل الحكومي، بل يشمل كل مؤسسة تتبنّى الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، إذ يتعيّن عليها أن تحدد بوضوح ما يمكن إسناده إلى الأنظمة الذكية، وما يجب أن يبقى بيد الإنسان، ومن يتحمّل مسؤولية النتائج".

     

    ومع مضيّ أبوظبي في تحقيق طموحها لتصبح أول حكومة قائمة على الذكاء الاصطناعي في العالم بحلول عام 2027، لا تكتفي دائرة التمكين الحكومي بدراسة كيفية إسهام الذكاء الاصطناعي في تحويل الخدمات، بل تبحث أيضًا في كيفية تغييره لدور الإنسان داخل المؤسسات. ويرى التقرير أن الاستعداد لهذا التحول لا يقل أهمية عن توظيف التكنولوجيا ذاتها، مؤكدًا أن الحكومات والمؤسسات التي تدمج الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، من مقدمي خدمات الرعاية الصحية إلى المؤسسات المالية، ستحتاج إلى إعادة تصميم الأدوار وأطر المساءلة، وتحديد المسؤوليات بوضوح عند وقوع الأخطاء، بما يحافظ على ثقة المتعاملين والجمهور.

     

    ويرسم التقرير أربعة سيناريوهات محتملة لمستقبل العمل حتى عام 2040، ويركز على استكشاف مسارات مستقبلية بديلة، لا التنبؤ بمستقبل واحد. استنادًا إلى عاملين رئيسيين من عوامل عدم اليقين، هما: سرعة تطور الأتمتة القائمة على الذكاء الاصطناعي، ومدى ثقة الأفراد بالأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وتعدّ دائرة التمكين الحكومي سيناريو "التكامل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي" السيناريو المفضل للمستقبل، وهو نموذج يتولّى فيه الذكاء الاصطناعي الأعباء الإدارية، فيما يحتفظ الإنسان بمسؤولية الحكم في القرارات الجوهرية، وفهم التفاصيل والسياقات الدقيقة، والإبداع، وإدارة العلاقات. ويؤكد التقرير أن الوصول إلى هذا المستقبل لن يكون تلقائيًا، بل يتطلب خيارات واعية، وتصميمًا مدروسًا للمنظومات، وجهودًا متواصلة لاستدامته.

     

     وتُستخدم هذه السيناريوهات كأدوات لاستشراف البدائل واختبار السياسات المحتملة، وليس بوصفها توقعات لما سيحدث بالضرورة. تستند هذه الخلاصات إلى دراسة شملت أكثر من 140 اتجاهًا عالميًا، ومنهجية "ديلفي" على ثلاث مراحل، وورش عمل حول السيناريوهات وتداعياتها، بمشاركة ممارسين حكوميين وخبراء أكاديميين ودوليين.

     

    وتشهد أبوظبي هذه التحولات بالفعل، إذ أكمل أكثر من 95% من موظفي الحكومة تدريبًا في مجال الذكاء الاصطناعي، ويجري تشغيل أكثر من 100 حالة استخدام للذكاء الاصطناعي في أكثر من 40 جهة حكومية، فيما تضم كل جهة حكومية رئيسًا تنفيذيًا للرقمنة والذكاء الاصطناعي. كما صنّف تقرير "مايكروسوفت" العالمي لانتشار الذكاء الاصطناعي للربع الأول من عام 2026 دولة الإمارات في المرتبة الأولى عالميًا في اعتماد الذكاء الاصطناعي في أماكن العمل.

     

    ويطرح التقرير خمس نتائج عملية يمكن للمؤسسات البدء في تطبيقها اليوم، أولها مفارقة القوى العاملة الأخفّ حجمًا، موضحًا أنه مع تولّي الذكاء الاصطناعي الأعمال الروتينية والتحليلية، يكتسب الحكم البشري والمساءلة أهمية استراتيجية متزايدة، إذ يتحمّل كل فرد في القوى العاملة الأخفّ حجمًا مسؤولية أكبر، وتزداد أهمية القرارات التي تبقى بيد الإنسان، ما يعزز أثر كل تدخل بشري.

     

    أما النتيجة الثانية، فتناولت أربعة سيناريوهات مستقبلية محتملة للعمل، إذ يتحدد شكل العمل حتى عام 2040 وفق سرعة تقدّم الأتمتة القائمة على الذكاء الاصطناعي ومدى ثقة الناس بها، وتُفضي التركيبات المختلفة بين هذين العاملين إلى قوى عاملة متباينة، تتراوح بين التعاون المتمحور حول الإنسان والبيئات عالية الأتمتة التي تواجه فيها الثقة والمساءلة تحديات كبيرة. وأكد التقرير أن هذه السيناريوهات أدوات للتخطيط، وليست تنبؤات.

     

    وفي النتيجة الثالثة، أكد التقرير أن الثقة تمثل قدرة استراتيجية، إذ يعتمد تبنّي الذكاء الاصطناعي على الثقة بقدر اعتماده على التكنولوجيا، وستحدد الأنظمة القابلة للتفسير والطعن في مخرجاتها، إلى جانب المساءلة البشرية الواضحة، مدى حفاظ القوى العاملة والجمهور على ثقتهم بالذكاء الاصطناعي.

     

    وتناول التقرير في نتيجته الرابعة تنامي قيمة المهارات البشرية، مشيرًا إلى أن تولّي الذكاء الاصطناعي مزيدًا من المهام التشغيلية يوجّه قيمة الأفراد نحو القدرة على التقدير، والأخلاقيات، والتعاطف، والإبداع، وإدارة العلاقات، وأن القدرة التنافسية ستعتمد على إمكانية الوصول إلى التكنولوجيا، وعلى نجاح المؤسسات في تطوير القدرات البشرية التي يصعب على الذكاء الاصطناعي محاكاتها.

     

    وفي نتيجته الخامسة والأخيرة، دعا التقرير إلى الانتقال من التخطيط الاستباقي إلى التنفيذ، موصيًا بخمس خطوات أولية، هي: وضع معيار يحدد القرارات العامة التي تُسند مسؤوليتها دائمًا إلى شخص محدد بالاسم، وإطلاق مشاريع تجريبية لإعادة تصميم الأدوار الوظيفية في الخدمات الحيوية، وتدقيق مدى تكافؤ توزيع دعم الذكاء الاصطناعي بين الجهات المختلفة، وتوفير تدريب يكافئ على تحدي مخرجات الذكاء الاصطناعي، وإنشاء لوحة مؤشرات عامة لقياس ثقة الجمهور. وتندرج هذه الخطوات ضمن اختصاصات دائرة التمكين الحكومي، وتسهم كل منها في إبراز المساءلة البشرية.

     

    ويخلص التقرير إلى أن نجاح المؤسسات في عصر الذكاء الاصطناعي لن يُقاس بحجم الأتمتة التي تحققها فحسب، بل بقدرتها على تعزيز المسؤولية البشرية والثقة والمساءلة أيضًا. ويدعو التقرير إلى إعادة تصميم الأدوار ووضع آليات حوكمة واضحة تضمن أن تعزز التكنولوجيا عملية اتخاذ القرار البشري.

     

    ويمكن تحميل التقرير الكامل، بعنوان "مفارقة القوى العاملة الأخفّ حجمًا: إعادة تعريف القيمة البشرية في التكامل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

    حمّل تطبيق Alamrakamy| عالم رقمي الآن