105 ملايين يورو في خمسة أسابيع... فهل تعرفون من نام في غرفكم؟

  • بقلم : لطيفة زناينة

     مستشارة أولى ومؤسِّسة · مكتب استشارات في استراتيجية الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات · متخصّصة في الفنادق الفاخرة والمستثمرين · «إيليت كونسلتينغ باريس»

     

    السبت، الثاني عشر من سبتمبر، الساعة العاشرة وأربعون دقيقة ليلًا.

    تُضاء أنوار القاعة من جديد، ويخرج الآلاف في اللحظة نفسها. يتّجه جزءٌ منهم نحو فنادق حيّ «لا ديفانس»، وهو حيّ أعمالٍ يكاد يخلو في عطلة نهاية الأسبوع.

    في تلك الليلة، تضاعف إيراد الغرفة الواحدة تقريبًا في البلديات المجاورة.

    ليلةٌ واحدة، وفنّانةٌ واحدة، وحيُّ أعمالٍ تحوّل فجأةً إلى وجهةٍ فاخرة.

    شهرٌ استثنائي بلغة الأرقام

    سيبقى سبتمبر 2026 واحدًا من أفضل أشهر العام في قطاع الفنادق الفرنسي، وقد قادت الفنادقُ الراقية السوقَ كلَّها:

    ← نسبة إشغال بلغت 83.5%، بارتفاع 3.1 نقاط؛
     ← متوسّط سعر للغرفة بلغ 348.5 يورو، بارتفاع 7.4%؛
     ← إيراد للغرفة المتاحة (
    RevPAR) بلغ 290.9 يورو، بارتفاع 11.5%.

    وفي باريس، بلغت نسبة الإشغال 88.2% ومتوسّط السعر 277 يورو. أمّا في «لا ديفانس»، فقد ارتفع إيراد الغرفة في ليالي الحفلات بنسبة 33.9%، وجاء معظم هذا الارتفاع من الأسعار وحدها: زيادةٌ بنسبة 31.2%.

    ستّة عشر حفلًا لسيلين ديون، ونحو 500 ألف متفرّج، وأكثر من 700 مليون يورو من العائدات الاقتصادية. فمقابل كلّ يورو أُنفق على التذكرة، أنفق الزوّار أكثر من أربعة يوروهات في منطقة إيل دو فرانس، وحصدت الفنادق وحدها 105 ملايين يورو من رقم الأعمال الإضافي.

    لقد أثبتت باريس أنّها تُحسن استقبال أكبر الأحداث، في امتدادٍ للألعاب الأولمبية لعام 2024.

    لكنّ الاستقبال شيء، والاحتفاظ بالضيف شيءٌ آخر.

    «الحدث يملأ الغرف لليلةٍ واحدة، أمّا معرفة الضيف فوحدها تملؤها لسنوات.»

    لطيفة زناينة

    حين يكون النموّ هديّةً من التقويم

    خلال ستّة وعشرين عامًا في الضيافة الفاخرة، من لندن إلى دبي، رأيتُ أشهُرًا قياسيةً كثيرة، ورأيتُ أيضًا ما يحدث في الشهر الذي يليها.

    حين يأتي النموّ من الأسعار لا من عدد الضيوف، فهو ليس استراتيجية، بل هديّةٌ من التقويم.

    ضيف سبتمبر لم يأتِ من أجل الفندق، بل جاء من أجل سيلين. دفع أكثر، ونام، ثمّ غادر. وفي أغلب المؤسّسات، لا أحد يعرف حقًّا من كان.

    من أين جاء؟ كم أنفق خارج غرفته؟ مع من كان يسافر؟ هل كان ضيفًا عابرًا من فئة الأثرياء جدًّا (UHNW)، أم ضيفًا وفيًّا محتملًا تركناه يفلت من بين أيدينا؟

    هذه أسئلةُ بيانات، لا أسئلةُ تسويق. وفي فندقٍ من فئة «البالاس»، يُقاس الفرق بمئات آلاف اليوروهات.

    الموعد الحقيقي: مايو 2027

    أُعلن عن عشرة حفلاتٍ جديدة في مايو 2027، ويُتوقَّع أن تبلغ العائدات الإجمالية لهذه الإقامة الفنّية 1.2 مليار يورو.

    أمام الفنادق إذن سبعة أشهر: سبعة أشهر لفهم ما حدث فعلًا في سبتمبر، وسبعة أشهر لتقرير ما إذا كان الفصل الثاني سيكون هديّةً أخرى من التقويم، أم أصلًا حقيقيًّا يُبنى عليه.

    فالحدث لا يصنع الولاء، بل يصنع فرصة. وما نصنعه بهذه الفرصة يتوقّف على ما نعرفه عن الضيف.

    ← إلى المديرين العامّين: قد يكون أفضل شهرٍ في العام هو نفسه الشهر الذي تعلّمتم فيه أقلّ ما يمكن عن ضيوفكم.
     ← إلى المستثمرين: ذروةٌ في الإيرادات بلا بياناتٍ عن الضيوف أداءٌ لا يتكرّر، وما لا يتكرّر لا يرفع قيمة الأصل.

    خاتمة: من بيع الليالي إلى كسب الضيوف

    ما جرى في باريس هذا الخريف ليس قصّةً فرنسيةً فحسب. فمن الرياض إلى دبي، ومن مراكش إلى الدوحة، تراهن المدن اليوم على الأحداث الكبرى: حفلاتٍ ومهرجاناتٍ ومعارضَ وبطولاتٍ دولية. وستعرف فنادقها بدورها أشهرًا قياسية.

    غير أنّ درس باريس واضح: الرقم القياسي لا يصنع النجاح، بل ما يبقى بعده. فالفندق الذي يكتفي بملء غرفه ليلة الحدث يبيع ليالي، أمّا الفندق الذي يعرف من نام فيها، ولماذا جاء، وما الذي قد يعيده، فهو يكسب ضيوفًا.

    وفي زمنٍ أصبح فيه الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في متناول الجميع، لم يعد السؤال: «كم بعنا هذا الشهر؟»، بل: «ماذا تعلّمنا عن ضيوفنا، وكيف نحوّل هذه المعرفة إلى ولاء؟»

    الحدث الكبير القادم آتٍ لا محالة. والسؤال الوحيد هو: هل ستكون فنادقنا مستعدّةً لاستقبال ضيوفه... أم للاحتفاظ بهم؟

     

    حمّل تطبيق Alamrakamy| عالم رقمي الآن