في السنوات التي تلت الجائحة، تحولت سنغافورة إلى ورشة بناء مفتوحة. مشاريع عملاقة انطلقت دفعة واحدة، من تطوير مشروع "لاس فيغاس ساندز" البالغ تكلفته 8 مليارات دولار، إلى المبنى الجديد في مطار شانغي المقرر بدء العمل فيه العام المقبل. وإلى جانبها، يجري تنفيذ مستشفى "تينغا" العام والمجتمعي الذي سيضيف 4 آلاف سرير بحلول 2030، في واحد من أكبر المشاريع الصحية العامة في البلاد.
ومع هذا الزخم، رفعت هيئة البناء والإنشاءات السنغافورية (BCA) توقعاتها في يناير الماضي، مقدرة أن الطلب على البناء سيصل إلى 53 مليار دولار سنغافوري هذا العام (نحو 42 مليار دولار)، بزيادة قاربت 15% عن التقديرات السابقة.
قال الشريك والمدير التنفيذي لشركة "Cundall" للاستشارات الهندسية في آسيا والمحيط الهادئ، أليكس سايز، إن القطاع لم يتوقف عن النمو منذ تجاوز الجائحة، وفقاً لتقرير موسع لشبكة "CNBC"، اطلعت عليه "العربية Business".
تكاليف تتصاعد بلا هوادة
ورغم أن طفرة البناء عادة ما تعكس نشاطاً اقتصادياً صحياً، فإن الوجه الآخر للمشهد هو التكاليف التي تقفز بوتيرة تصنف من بين الأعلى عالمياً.
حذرت شركة الاستشارات الهندسية "Turner & Townsend" من زيادات تصل إلى 5% هذا العام، مدفوعة باضطرابات سلاسل التوريد، خاصة في الأسمنت والخرسانة الجاهزة، إلى جانب فترات الانتظار الطويلة لمكونات الكهرباء والسباكة، وارتفاع أسعار أشباه الموصلات المستخدمة فيها.
ويضاف إلى ذلك نقص العمالة الماهرة. فحتى الوظائف الاحترافية مثل المهندسين والتقنيين تبدو شحيحة، كما يؤكد كو سي بون، المدير العام للشركة في سنغافورة، مشيراً إلى أن فجوات القدرات لا تزال تربك الجداول الزمنية وجودة التنفيذ، خصوصاً في العقود المتخصصة.
ولمواجهة هذا، تستعد هيئة "BCA" لإطلاق برنامج تدريبي إضافي لمديري المشاريع خلال العام الجاري.
القبعات المزدوجة.. عامل واحد بأدوار متعددة
يرصد محللون في "CGS International" اتجاهاً متسارعاً لتدريب العمال على أداء مهام إضافية، فيما يعرف ب Double Hatting. أي عامل واحد يتولى أكثر من دور، بهدف التعامل مع نقص العمالة وتحسين الكفاءة.
وبحسب المحللين، فإن مهندسين كثر باتوا يتلقون تدريبات على أدوات رقمية تقلل الأعمال الروتينية، وتتيح لهم التركيز على التنفيذ والمراقبة الميدانية.
وتؤكد شركة "Soilbuild" السنغافورية أنها تستبدل الأعمال كثيفة العمالة بنمط جديد من المباني الصناعية عالية المواصفات، مدعومة بالتصنيع المسبق خارج الموقع.
وفي الوقت ذاته، تتسع دائرة الاعتماد على التكنولوجيا لمواجهة فجوة المهارات.
لجأت شركة "ISOTeam" لاستخدام طائرات مسيرة وأنظمة ذكاء اصطناعي لفحص واجهات المباني. بينما تعمل حالياً على تطوير طائرات يمكنها غسل وطلاء الواجهات دون الحاجة للسقالات، ما يقلل المخاطر ويرفع الإنتاجية.
وبرغم أن الاستثمار في هذه التقنيات مكلف، يؤكد محللو "CGS" أنه سينعكس في النهاية على زيادة الأرباح.
ابتداءً من أبريل المقبل، ستمنح الحكومة دعماً مالياً جديداً للشركات الصغيرة لتمويل الاستثمار في الروبوتات والأتمتة، في خطوة تقول BCA إنها قادرة على تحقيق توفير يصل إلى 50% في العمالة.
شركات عدة في سنغافورة أصبحت تستخدم تقنيات الرؤية الحاسوبية من شركة "OpenSpace" لتتبع تقدم المشاريع، وبرمجيات "PlanRadar" للجدولة ورصد العيوب، وسط ارتفاع ملحوظ في الطلب على هذه الأدوات.
لكن كو من "Turner & Townsend" يرى أن الأمر يتجاوز مجرد اقتناء الأدوات الرقمية. وقال: "ستحتاج الشركات إلى إعادة التفكير في كيفية توظيف التكنولوجيا لخدمة أهدافها التجارية... البعض يدخل فعلياً مرحلة شبيهة بالنهضة الرقمية التي تعيد تشكيل نماذج عمله بالكامل".
روبوت يرسم ويطلي 7 مرات أسرع من العامل البشري
بدورها، تقدم شركة "Legend Robot" مثالاً حياً على طفرة الأتمتة، فآلاتها قادرة على طلاء الجدران الداخلية ومعالجة الأرضيات وتركيب البلاط بكفاءة تفوق العامل البشري بسبعة أضعاف، حيث ينجز الروبوت نحو 1500 متر مربع يومياً مقابل 200 متر فقط للعامل البشري.
وتبلغ كلفة الروبوت الواحد بين 70 و120 ألف دولار، بحسب مدير التسويق جاسون ليانغ، الذي يؤكد نمو الطلب في سنغافورة والصين والشرق الأوسط وأوروبا.
الذروة لم تأت بعد
تشير تقديرات "CGS International" إلى أن الصناعة لم تبلغ قمة النشاط بعد، إذ رفعت المؤسسة توقعاتها لذروة الأرباح إلى عامي 2028 – 2029 بدلاً من 2027 – 2028، مع توقعات بنمو ربحية الشركات بين 16% و41% من 2026 إلى 2028.
وتخطط سنغافورة لعقد كامل من التطوير، يشمل متنزهات جديدة ومناطق سكنية وخطوط مترو إضافية. ومع ندرة الأراضي، تتزايد صعوبة اتخاذ قرار "ماذا نبني؟... وماذا نبقي؟".
لكن ارتفاع تكاليف البناء ينعكس مباشرة على تكاليف المعيشة. أشار جوناثان دينيس-جاكوب من "Cistri" إلى أن أسعار الوحدات السكنية الخاصة أصبحت باهظة للغاية، فيما وصفت سنغافورة العام الماضي بأنها أغلى مدينة لذوي الثروات العالية.
مع ذلك، يلاحظ أن المشاريع تسلم غالباً في الوقت المحدد وضمن الميزانية، لكونها تدار وفق احتياجات فعلية وليس بدوافع سياسية، وهو ما يمنحها انضباطاً فريداً.
مدينة تبنى... وتصاغ فنياً
من وجهة نظر وين كام، مدير شركة الهندسة المعمارية "Morrow"، فإن سنغافورة تجاوزت مرحلة البناء إلى نحت المدينة وتخضيرها، بينما ترى تشارو كوكاتي من "Safdie Architects" أن السلطات تتعامل بحرص مع كل مشروع لضمان انسجامه مع الأحياء المحيطة، وإدماج مبادئ الاستدامة مثل جمع مياه الأمطار.
وأضافت: "هذه الجهود لتوفير بيئة معيشية مريحة لا مثيل لها... يصعب أن تجد نموذجاً مشابهاً في أي مكان آخر".








