الذكاء الاصطناعي لن يستقبل ضيوفك بل سيقرّر مَن يدخل فندقك

  • بقلم : لطيفة زنينة

     مستشارة استراتيجية الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات المتخصصة في الضيافة الفاخرة مكتب الاستشارات إيليت كونسالتينغ باريس

     

    ثمّة ما يبعث على الدهشة حين يتأمّل المرء السرعة التي يترسّخ بها الذكاء الاصطناعي في مهنتنا. أسرع من الهاتف المحمول. أكثر صمتًا من التحوّل الرقمي. وأبلغ أثرًا في الاستراتيجية بما لا يُقاس.

    لنضرب مثلًا : احتاج الهاتف المحمول إلى ستّ عشرة سنة كي يبلغ مئة مليون مستخدم. أمّا تطبيق "تشات جي بي تي" فبلغها في شهرين اثنين. وراء ظهري ستٌّ وعشرون سنة في فنادق الرفاهية، وخمسُ قارّات : لم أشهد قط تحوّلًا بهذا العمق. ولا بهذا القدر من سوء الاستعداد.

    المسألة الحقيقية ليست الذكاء الاصطناعي. بل بياناتك.

    يحدّثني الناس عن "تشات جي بي تي". عن الوكلاء المحادثين. عن محرّكات التوصية. هذا كلّه ديكور. لا جوهر.

    الجوهر هو الآتي : إنّ طريقتك في ترتيب بياناتك هي التي تحدّد مدى وصول الذكاء الاصطناعي إليها. وفقًا للتشخيصات التي أجريتها ميدانيًّا، يولّد الفندق الفاخر الأوروبي في المتوسّط 2,3 تيرابايت من بيانات الزبائن سنويًّا. أقلّ من اثني عشر بالمئة منها مهيكلة فعلًا، قابلة للاستغلال. أمّا الباقي فيرقد في نظام إدارة الممتلكات (PMS) المتقادم، وفي ثلاثة ملفّات إكسل مشتركة محلّيًّا، وفي ذاكرة رئيس الاستقبال الذي سيتقاعد بعد ثمانية عشر شهرًا.

    هذه البيانات موجودة. لكنّها لا تنتج شيئًا.

    الفنادق الفاخرة التي ستنتصر في العقد المقبل ليست تلك التي اقتنت أكبر عدد من الأدوات. بل تلك التي جعلت بياناتها جاهزة للذكاء الاصطناعي. فرقٌ جوهري.

    ما لن يفعله الذكاء الاصطناعي أبدًا

    لن يقدّم طبقًا. لن يبدّل ملاءة سرير. لن يتمكّن من أن يُدرك، في اللحظة التي تعبر فيها زبونة العتبة، أنّها عائدة من جنازة، وأنّ النبرة لا بدّ أن تلين.

    الضيافة ابتسامةٌ. وإصغاءٌ. وتعاطفٌ. وحدسٌ نحَتته ثلاثون سنة خلف مكتب الاستقبال في الإيماءة ذاتها.

    لن يحلّ الذكاء الاصطناعي محلّ شيء من هذا. وذاك خبرٌ سار.

    ما يفعله منذ الآن

    يستردّ نقاط إنتاجية باتت لا غنى عنها. على عيّنة من تسعة فنادق فخمة من فئة الخمس نجوم رافقتُها في أوروبا والخليج خلال سنة 2025، أنتجت إعادةُ هيكلة البيانات المقترنة بتسعير ديناميكي يقوده الذكاء الاصطناعي ما متوسّطه 4,7 نقاط إضافية في معدّل الإيراد لكلّ غرفة متاحة (RevPAR) على مدى اثني عشر شهرًا. وانخفض معدّل الإلغاء بنسبة اثنتين وعشرين بالمئة. وارتفع الإيراد التكميلي بنسبة إحدى وثلاثين بالمئة على الشرائح المصنّفة جيّدًا.

    تتكرّر الملاحظة، آليًّا تقريبًا : ما بين 1,2 و1,9 مليون يورو من الإيرادات غير المُحصَّلة كلّ سنة، عن كلّ فندق من فئة الخمس نجوم. سبع مناطق نزيف متكرّرة، خفيّةٌ كلّها على التقارير التقليدية، مرئيّةٌ كلّها لنموذج ذكاء اصطناعي يتغذّى من بيانات سليمة. التسعير الديناميكي غير المستثمَر يستأثر وحده بقرابة 380 ألف يورو سنويًّا في المتوسّط. ليبلغ مجموع الخسائر السنوية ما يقارب 1,6 مليون يورو.

    التحوّل الحقيقي ليس تكنولوجيًّا. بل ثقافيّ.

    أرى اليوم صنفين من القادة.

    من يظنّ أنّ الذكاء الاصطناعي شأن من شؤون قسم تقنية المعلومات. سيقتنون أداةً، ويربطونها بالشبكة، وينتظرون المعجزة. ستخيب آمالهم. وفقًا لمؤسّسة "غارتنر"، ثلاثة وستّون بالمئة من مشاريع الذكاء الاصطناعي في قطاع الفندقة تُمنى بالفشل خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى — ومردُّ ذلك في الغالب إلى بيانات غير مهيكلة في المنبع.

    ومن أدرك أنّ الأمر مسألة حوكمة. تمسّ الاستراتيجية، والإيراد، والعلاقة بالزبون، والتسعير، وتدريب الفِرق. هؤلاء القادة لا يبحثون عن برنامج. بل يبحثون عن منهج.

    إليهم أتوجّه من إيليت كونسالتينغ باريس. إلى المديرين العامّين الذين يحسّون أنّهم يدورون حول المسألة دون أن يمسكوا بها. إلى المالكين الذين يرون معدّل إيراد غرفهم يراوح مكانه بينما يتقدّم منافسوهم المباشرون أربع نقاط. إلى المستثمرين الذين يريدون أن يفهموا حقًّا أين يذهب رأس مالهم.

    اللحظة نادرة

    تتّسع الفجوة سريعًا. الفنادق التي تكسب اليوم ستّة أشهر من التقدّم في هيكلة بياناتها ستحظى، بعد عامين، بميزة تنافسية يصعب اللحاق بها. ليس هذا رأيًا. بل آلية.

    وفقًا لتوقّعاتي، المبنيّة على مسار التبنّي الذي ألاحظه لدى زبائني، فإنّ ما يقارب ثمانية وثلاثين بالمئة من عمليات البحث الفندقي الفاخر ستمرّ بحلول سنة 2027 عبر نموذج محادثة ذكيّ. الفنادق التي لا تكون بياناتها مهيكلة بحيث تقرؤها هذه النماذج ستختفي ببساطة من قائمة التوصيات.

    الذكاء الاصطناعي لن يبدّل الملاءات. غير أنّه يقرّر منذ الآن، في صمت، أيّ الفنادق سيُوصَى بها غدًا حين يطلب زبون من نموذج محادثة « أكثر فندق فاخر تحفّظًا في باريس من أجل زوجتي ». وأيّها لن يظهر البتّة.

    هذا هو الجوهر.

    حمّل تطبيق Alamrakamy| عالم رقمي الآن