690 مليون مسافر... والسياحة العالمية تراوح مكانها

  • بقلم : لطيفة زناينة

     مستشارة أولى في استراتيجية الذكاء الاصطناعي ومحللة بيانات، متخصصة في الفندقة الفاخرة مكتب الاستشارات Elite Consulting Paris

    نموٌّ بنسبة 0.4%.

    هذا هو معدّل نموّ السياحة الدولية في النصف الأول من عام 2026. رقمٌ بلغ من الضآلة حدًّا يكاد معه يمرّ دون أن يلتفت إليه أحد.

    690 مليون مسافر جابوا العالم بين يناير ويونيو، بزيادةٍ لا تتجاوز ثلاثة ملايين مسافر عمّا كان عليه العدد قبل عام.

    وحين تناولتُ هذه الأرقام بالتحليل في إطار عملي مع Elite Consulting Paris، لم يستوقفني التعثّر بقدر ما استوقفني التردّد. واستوقفتني قبل كل شيء فجوةٌ قلّما ينتبه إليها أحد: الفجوة بين عدد المسافرين وما ينفقونه.

    نصفُ عامٍ منشطرٌ إلى شطرين

    اذ استهلّ الربع الأول العامَ بدايةً طيبة، بنموٍّ بلغ 2%.

    ثم تعثّر كل شيء. فقد تراجع الربع الثاني بنسبة 0.8%، وهبط شهر أبريل بنسبة 2.7%، متأثرًا بتوقيت عطلة الفصح وبالنزاع في الشرق الأوسط. وواصل يونيو تراجعه بنسبة 2.6%، فيما انخفضت أوروبا الغربية بنسبة 6.2% تحت وطأة موجة حرٍّ، وتراجعِ الرحلات البعيدة المدى وغلاءِ أسعارها.

    إنّ متوسطًا لا يتجاوز 0.4% يُخفي وراءه أشهرًا شديدة التباين. وهنا بالذات كثيرًا ما تُتّخذ القرارات على عجل.

    خريطة السفر تتبدّل أفريقيا: نموّ بنسبة 4% ، أوروبا: نموّ بنسبة 3%، بنحو 350 مليون زائر ، الأمريكتان: نموّ بنسبة 2% ، آسيا والمحيط الهادئ: نموّ بنسبة 1%، مع بقائها دون مستويات عام 2019 بنسبة 11% و الشرق الأوسط: تراجع بنسبة 22%

    وفي داخل القارة الأوروبية، سجّلت دول البحر المتوسط نموًّا بنسبة 4%، يُعزى جزئيًا إلى المسافرين الذين عدلوا عن وجهات الشرق الأوسط، في حين تراجعت أوروبا الغربية تراجعًا طفيفًا.

    الخليج في الصفّ الأول

    أما دول الخليج، فأرقامها أشدّ قسوة: تراجعٌ بنسبة 28.8% على امتداد النصف الأول، وبنسبة 42.6% في الربع الثاني، وبنسبة 52.9% في شهر أبريل وحده.

    وانخفضت نسبة إشغال الفنادق في الشرق الأوسط إلى 48% في مارس و49% في أبريل، قبل أن تعاود الارتفاع إلى 53% في يونيو، مقابل 60% في الشهر نفسه من العام الماضي. كما تقلّصت السعة الجوية لشركات الطيران في المنطقة بنسبة 20%، وامتدّ أثر ذلك إلى جزر سيشل التي خسرت 14% من زوارها.

    هذا الرقم الأخير قرأتُه مرتين.

    عشتُ في دبي ابتداءً من عام 2008، في خضمّ الأزمة المالية العالمية. رأيتُ المنطقة تتلقّى الصدمة، ثم تنهض أسرع من أي منطقة أخرى تقريبًا. ولا بدّ من التذكير بأن الشرق الأوسط استقبل في عام 2025 عددًا من الزوار يفوق ما استقبله عام 2019 بنسبة 40%. وقد أعاد وقفُ إطلاق النار في مايو فتحَ عددٍ من المسارات الجوية، فبدأ التعافي، وإن ظلّ متفاوتًا.

    «الأزمة لا تُفني عملاء فئة الأثرياء جدًا (UHNW)، بل تنقلهم من وجهةٍ إلى أخرى. والفنادق التي تستعيدهم هي تلك التي كانت تعرفهم من قبل.»
    ما تقوله الإيرادات

    هذا هو الجانب الأكثر إثارةً للاهتمام، والأقلّ تناولًا " المغرب " : زيادة في عدد الزوار بنسبة 6%، مقابل زيادة في الإيرادات بنسبة 16% . "موريشيوس ": زيادة في عدد الزوار بنسبة 1%، مقابل زيادة في الإيرادات بنسبة 18% ، " كوريا الجنوبية " : زيادة في عدد الزوار بنسبة 21%، مقابل زيادة في الإيرادات بنسبة 36% و " اليونان" : زيادة بنسبة 15% في عدد الزوار وفي الإيرادات على حدٍّ سواء

    ففي عددٍ من الوجهات، تنمو الإيرادات أسرع بكثير من حركة الزوار. وموريشيوس خير شاهد على ذلك: زوارٌ لم يكادوا يزيدون، وإيراداتٌ ارتفعت بما يقارب الخُمس.

    وتسير فرنسا في الاتجاه نفسه، إذ بلغت إيراداتها من السياحة الدولية 77.5 مليار يورو في عام 2025، بارتفاعٍ نسبته 9%.

    ويصدق ذلك أكثر ما يصدق على الفندقة الفاخرة. فعملاء فئة الأثرياء جدًا لا يكفّون عن السفر حين يضطرب العالم، بل يختارون على نحوٍ مختلف: حيث يشعرون بالأمان، وحيث لا تباغتهم مفاجأة، وحيث يُعرَفون سلفًا. فالقيمة مقابل السعر عندهم لا تُقاس باليورو، بل تُقاس بالطمأنينة.

    تفاؤلٌ حذِر

    خُفِّضت توقعات النموّ لعام 2026 من 3–4% إلى 1–2%. وقد قفز سعر النفط من 67 إلى 113 دولارًا للبرميل بين أواخر فبراير ومطلع أبريل، قبل أن يعاود الانخفاض.

    ومع ذلك، يتوقّع 45% من خبراء القطاع أن تكون نهاية العام أفضل من نظيرتها في 2025، وقد ارتفع مؤشر الثقة إلى 113 للفترة الممتدة من سبتمبر إلى ديسمبر، مقابل 105 لفصل الصيف.

    ما كنتُ لأراقبه هذا الأسبوع لو كنتُ مديرةً عامةً لفندق ما يلي " حجوزاتي شهرًا بشهر "، وسوقًا مُصدِّرةً بسوق، لا نسبة الإشغال الإجمالية فحسب ، متوسط إنفاق كل عميل، لا عدد الليالي فحسب ، قائمة عملائي الأوفياء الذين اعتادوا السفر إلى الشرق الأوسط أو آسيا، والذين قد يبحثون هذا العام عن وجهة أخرى وإن كان فندقي في الخليج: العملاء الدائمون الذين ينبغي التواصل معهم شخصيًا قبل أن يألفوا وجهةً أخرى وقبل كل شيء: ألّا أخفّض أسعاري بدافع ردّ الفعل

    الأزمات تُزيح العملاء من أماكنهم، لكنها نادرًا ما تُفنيهم.

    والسؤال الحقيقي: مَن سيستقبلهم حين يتحرّكون؟

    حمّل تطبيق Alamrakamy| عالم رقمي الآن