بقلم : نايجل جرين
الرئيس التنفيذي لمجموعة "دي فير" للاستشارات المالية
من المرجح أن تشهد شركة "أنثروبيك" طلباً هائلاً من المستثمرين على طرحها العام الأولي المخطط له، والذي قد تصل قيمته إلى 1.5 تريليون دولار. لكن التحدي الحقيقي سيبدأ بعد جمع رأس المال؛ إذ تتطلب الأسواق العامة شفافية مالية صارمة، وتقدماً مستمراً في الأرباح، وتنفيذاً دقيقاً وفعالاً، بدلاً من الاكتفاء بالاعتماد على الضجيج الإعلامي المحيط بالذكاء الاصطناعي.
هذا ما نحذر منه وذلك في أعقاب تقديم "أنثروبيك" لطلب الطرح العام الأولي. وقد كشفت البيانات عن تحقيق الشركة إيرادات بلغت 16.3 مليار دولار في النصف الأول من عام 2026، مقارنة بـ 1.2 مليار دولار في الفترة نفسها من العام السابق، إلى جانب خسارة تشغيلية قدرها 693 مليون دولار.
وتتراوح التقديرات المتداولة لقيمة الشركة بين 1.5 تريليون و2 تريليون دولار، مما يضع مطور تقنيات الذكاء الاصطناعي هذا ضمن قائمة الشركات الأعلى قيمة في العالم حتى قبل دخولها إلى الأسواق العامة.
جمع الأموال هو الجزء السهل؛ فـ ’وول ستريت‘ متعطشة للاستثمار في ثورة الذكاء الاصطناعي، وتُعد ’أنثروبيك‘ واحدة من أبرز الأسماء في هذا السباق لكن تقييم الشركة بـ 1.5 تريليون دولار يمثل وعداً ضخماً للمستثمرين. وبمجرد بدء تداول الأسهم، سيتعين على الشركة الوفاء بهذا الوعد كل ثلاثة أشهر".
"الأسواق العامة لا تستمر في العمل بناءً على الوعود إلى ما لا نهاية؛ فهي تطالب بأرقام، وهوامش ربح، وتدفقات نقدية، ونتائج ملموسة. وعندما تكون التوقعات متطرفة بهذا الشكل، فقد تؤدي حتى النتائج الجيدة إلى عمليات بيع واسعة إذا لم تكن بمستوى الطموحات".
وعند تقييم قدره 1.5 تريليون دولار، سيتم تداول أسهم "أنثروبيك" عند مضاعف يبلغ نحو 46 ضعفاً لإيراداتها السنوية (بناءً على نتائج النصف الأول)، بينما يرتفع هذا المضاعف إلى حوالي 61 ضعفاً عند تقييم 2 تريليون دولار وتشير هذه المضاعفات إلى توقعات استثنائية بشأن النمو والربحية في المستقبل.
"يدفع المستثمرون اليوم مقابل أرباح قد لا تتحقق إلا بعد سنوات طويلة".
"في ظل هذه التقييمات، لا تملك ’أنثروبيك‘ رفاهية تحقيق نتائج عادية في أي ربع سنوي؛ إذ يتعين عليها مواصلة تحقيق نمو استثنائي، مع إثبات قدرتها على تحويل هذا النمو إلى أرباح حقيقية وملموسة". «هذا وضعٌ لا يرحم بالنسبة لأي شركة، مهما كانت تقنيتها ثورية».
وتتضح أبعاد التحدي بشكل أكبر عند النظر إلى الأرباح المطلوبة لتبرير مثل هذه التقييمات.
فعلى افتراض مضاعف ربحية قدره 30 ضعفاً، فإن تقييم الشركة بـ 1.5 تريليون دولار يتطلب تحقيق أرباح صافية سنوية تبلغ نحو 50 مليار دولار.
وبافتراض هامش ربح صافٍ نسبته 25%، فإن هذا يعني الحاجة إلى إيرادات سنوية تقارب 200 مليار دولار؛ وهو رقم يفوق بستة أضعاف مبيعات شركة «أنثروبيك» (Anthropic) السنوية المحتسبة بناءً على أدائها في النصف الأول من العام.
هنا تلتقي الإثارة بالواقع المالي ولكي تبرر هذه الأرقام وفقاً لمقاييس الأرباح التقليدية، سيتعين على "أنثروبيك" في نهاية المطاف تحقيق أرباح بمستوى لا تبلغه سوى قلة قليلة من الشركات حول العالم وينبغي للمستثمرين أن يدركوا الحجم الهائل للنجاح التجاري الذي يراهنون عليه.
ونحذر من أن التكاليف الباهظة لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، إلى جانب احتدام المنافسة من شركات مثل «أوبن إيه آي» (OpenAI) و«غوغل» (Google) وغيرهما من المطورين، قد تجعل تحقيق هذه التوقعات أمراً بالغ الصعوبة.
قد يشهد الطلب على الذكاء الاصطناعي نمواً هائلاً، دون أن تواكب الأرباح هذا النمو بنفس الوتيرة».
فإذا أدت المنافسة إلى خفض الأسعار، في حين ظلت تكاليف الحوسبة مرتفعة، فقد يستحوذ العملاء على الجزء الأكبر من القيمة الاقتصادية وسيكون ذلك انتصاراً للتكنولوجيا، لكنه قد يتحول إلى كارثة بالنسبة للمستثمرين الذين دفعوا مبالغ طائلة في الشركات المطورة لهذه التقنيات.
ونرى أيضاً أن أداء «أنثروبيك» بعد طرح أسهمها للاكتتاب العام قد تكون له تداعيات تتجاوز نطاق مساهميها إذ يمكن أن تصبح الشركة معياراً يسترشد به المستثمرون في تقييم مطوري الذكاء الاصطناعي، ومصنعي أشباه الموصلات، ومزودي الخدمات السحابية، والبنية التحتية الداعمة لهذا القطاع.
وإذا نجحت "أنثروبيك" في تحقيق التوقعات، فقد تطلق موجة جديدة من الاستثمارات في اقتصاد الذكاء الاصطناعي أما إذا جاء أداؤها مخيباً للآمال، فقد يبدأ المستثمرون في التشكيك في تقييمات القطاع بأكمله.
وهكذا، قد تصبح أرباح شركة واحدة بمثابة اختبار ضغط لاستثمارات مرتبطة بهذا القطاع تبلغ قيمتها مئات المليارات من الدولارات». يحث الرئيس التنفيذي لشركة "دي فير" (deVere) المستثمرين على التمييز بين الطرح العام الأولي الناجح والاستثمار الناجح على المدى الطويل، لا سيما في ظل تزايد تركز الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا ضمن المحافظ الاستثمارية العالمية.
"إن تجاوز حجم الطلب على أسهم في طرح عام أولي يشير فقط إلى وجود إقبال على تلك الأسهم، لكنه لا يقدم أي مؤشر حول ما إذا كانت هذه الأسهم تستحق سعرها أم لا".
"لقد وقعت بعض أكبر الأخطاء الاستثمارية في التاريخ عندما اشترى المستثمرون أسهماً في شركات متميزة، ولكن بتقييمات خيالية وغير منطقية".
قد تشهد شركة 'أنثروبيك' (Anthropic) طرحاً عاماً أولياً مبهراً؛ فلا أستبعد أن تنجح في جمع رأس المال المطلوب أو جذب اهتمام هائل لكن الاحتفال ينتهي بمجرد البدء في إصدار التقارير الفصلية.
"فالطرح العام الأولي هو اختبار لشهية المستثمرين، أما ما يليه فهو اختبار للواقع الاقتصادي. وعند تقييم يصل إلى 1.5 تريليون دولار، يصبح هامش الخطأ ضئيلاً بشكل خطير".








