بقلم : إيفور إشيكويتز
مؤسس "استطلاع الشباب الأفريقي"
مع افتتاح فلاديمير بوتين لقمة "روسيا-أفريقيا" في موسكو ، تكشف أحدث نتائج "استطلاع الشباب الأفريقي لعام 2026" عن تناقض لافت؛ إذ تحظى روسيا بآراء إيجابية من قِبل الشباب الأفارقة، في الوقت الذي يعرب فيه أربعة من كل خمسة منهم عن قلقهم بشأن نفوذ القوى الأجنبية في بلدانهم.
وتقدم هذه الأرقام صورة واضحة بشكل استثنائي حول طبيعة الاستقبال الذي قد تتلقاه موسكو من الجيل القادم في القارة الأفريقية. فقد ذكرت أغلبية المشاركين في الاستطلاع (54%) أن لروسيا نفوذاً -سواء كان كبيراً أو محدوداً- في بلدانهم، وهو ما يمثل زيادة قدرها عشر نقاط مئوية مقارنة بنسبة 44% المسجلة في عام 2024. وبذلك، تتفوق روسيا حالياً على فرنسا، التي تراجع مستوى النفوذ المُدرك لها إلى 47%.
كما جاءت الانطباعات إيجابية؛ فمن بين أولئك الذين يرون أن لروسيا نفوذاً، وصف 83% هذا النفوذ بأنه إيجابي للغاية أو إيجابي إلى حد ما. وفي مقياس آخر، يعتبر 86% من المشاركين روسيا حليفاً قوياً أو حليفاً إلى حد ما. وتضع هذه النتائج روسيا ضمن القوى الأجنبية التي ينظر إليها الكثير من الشباب الأفارقة بإيجابية، وإن كانت الصين لا تزال تحظى بتقدير أعلى.
وأُجري "استطلاع الشباب الأفريقي" (African Youth Survey) بتكليف من "مؤسسة عائلة إشيكويتز" (Ichikowitz Family Foundation) وتنفيذ شركة "بي إس بي إنسايتس" (PSB Insights). وشملت نسخة عام 2026 إجراء 4,901 مقابلة شخصية مع شباب تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً في 16 دولة أفريقية خلال شهر مارس. ومنذ إطلاقه لأول مرة في عام 2020، توسع نطاق البحث ليشمل 28 دولة، مع إجراء 18,882 مقابلة عبر أربع مراحل.
"لقد حققت روسيا إنجازاً كان من الصعب تصوره قبل بضع سنوات؛ فقد تفوقت على فرنسا من حيث النفوذ المتصور، وبات عدد كبير من الشباب الأفارقة ينظرون إليها كحليف. هذه الأرقام حقيقية وتستحق أن تؤخذ على محمل الجد، ومن يتجاهلها من العواصم الأخرى فإنه يعرض مصالحه للخطر. لكن هذا القبول لا يعني منح 'شيك على بياض'؛ فالشباب الأفارقة يرحبون بالشركاء الذين يساعدونهم في بناء مستقبلهم، لا بالقوى الأجنبية التي تتوقع السيطرة عليه. إنهم يريدون معرفة من المستفيد من الاتفاقيات المبرمة، ومن يملك الموارد، وما إذا كانت الوعود المتعلقة بالأمن والاستثمار ستؤدي فعلياً إلى حياة أفضل للأفارقة".
هذا الحماس مشروط بقيد مهم؛ إذ أعرب 80% من المشاركين عن قلقهم إزاء نفوذ القوى الأجنبية في بلدانهم، مقارنة بـ 72% في عام 2024. وهذا القلق لا يلغي النظرة الإيجابية تجاه دول بعينها، بل يتعايش معها.
وتبرز هذه المخاوف بشكل خاص في موزمبيق (91%)، وجنوب أفريقيا (88%)، وليبيريا (85%). وحتى في بوركينا فاسو، حيث تصل نسبة الإقرار بالنفوذ الروسي إلى 95%، أبدى نحو ثلاثة أرباع المشاركين (72%) قلقهم بشأن النفوذ الأجنبي بشكل عام.
تجدر الإشارة إلى أن الاستطلاع لم يسأل المشاركين عما إذا كانوا لا يثقون في دوافع روسيا تحديداً؛ لذا لا ينبغي اعتبار هذه النتائج حكماً نهائياً على نوايا موسكو. ومع ذلك، تُظهر النتائج أن تبني نظرة إيجابية تجاه روسيا لا يتعارض إطلاقاً مع وجود قلق أوسع نطاقاً بشأن ما قد تطلبه القوى الخارجية مقابل تدخلها.
وهناك أسباب تدعو إلى إخضاع دوافع الشركاء الأجانب للتدقيق؛ إذ يشير تحليل -نُشر هذا الشهر من قِبل وكالة أبحاث الدفاع السويدية- إلى أن الانخراط العسكري الروسي في أفريقيا يخدم طموحات استراتيجية ومصالح عملية في آنٍ واحد، بما في ذلك الوصول إلى الموارد الطبيعية. كما حددت "خدمة الأبحاث البرلمانية الأوروبية" أهدافاً تتعلق بقطاعات التعدين والطاقة والمجال العسكري ضمن استراتيجية موسكو في أفريقيا. وتُعد هذه التقييمات تحليلات مستقلة لأنشطة روسيا، وليست نتائج استطلاعات رأي حول قناعات الشباب الأفارقة.
يكشف الاستطلاع عن تباينات لافتة في مستوى النفوذ الروسي كما يراه المشاركون؛ إذ تتصدر بوركينا فاسو قائمة الدول الست عشرة التي شملها الاستطلاع، حيث يرى 95% من المشاركين فيها أن لروسيا نفوذاً -سواء كان محدوداً أو كبيراً- في بلادهم. وتليها جمهورية الكونغو (برازافيل) بنسبة 69%، ثم تشاد بنسبة 65%. وقد طورت هذه الدول الثلاث علاقات أوثق مع موسكو -سواء على الصعيد الدبلوماسي أو الاقتصادي أو العسكري- خلال السنوات الأخيرة، وهو ما أشار إليه الاستطلاع في معرض مناقشته للنتائج.
وفي المقابل، يرى 24% فقط من الشباب في ليبيا... يرى 26% من الشباب الصوماليين أن لروسيا تأثيراً ملموساً. ويُعد الفارق البالغ 71 نقطة بين بوركينا فاسو وليبيريا دليلاً على أن مواقف الدول الأفريقية تجاه موسكو لا يمكن اختزالها في موقف قاري موحد.
وفي قمة موسكو، تتصدر قضايا التجارة والأمن جدول الأعمال، في حين توسع الحضور الروسي في منطقة الساحل من خلال شراكات أمنية وعقود مع شركات عسكرية خاصة. وقد أفادت وكالة "أسوشيتد برس" بأن الانخراط العسكري الروسي شمل عمليات "فيلق أفريقيا" (Africa Corps)، الذي جاء خلفاً لمجموعة "فاغنر" التي كانت تنشط هناك سابقاً. وفي ظل هذا المشهد، يشير الاستطلاع إلى وجود قبول واسع للشراكات الأجنبية، يقابله في الوقت ذاته توقعات واضحة بشأن الشروط التي ينبغي أن تُبنى عليها هذه الشراكات.
تتمثل الأولوية القصوى لدى الشباب في الحصول على عوائد عملية ملموسة. فعند سؤالهم عن أهم السمات التي يبحثون عنها في حليف دولي، اختار 43% "القدرة على الاستثمار في البنية التحتية والاقتصاد" لبلدانهم. وجاء في المرتبة الثانية (بنسبة 39%) "احترام الموارد الطبيعية"، تليها "القيم الديمقراطية وسجل قوي في حقوق الإنسان"، و"احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية"، حيث اختار كل منهما 34% من المشاركين.
كما أشار 30% إلى أهمية "نقل التكنولوجيا والمعرفة"، بينما ذكر 29% "المساعدة العسكرية أو الأمنية". وفي المقابل، لم يضع سوى 15% من المشاركين "التاريخ المشترك أو الروابط الثقافية" ضمن اعتباراتهم الرئيسية. وتشير هذه الأرقام إلى أن موسكو - شأنها شأن أي شريك أجنبي آخر - ستُقيَّم بناءً على مدى مساهمتها في تحقيق المصالح الاقتصادية والسياسية للدول التي تسعى للتعاون معها.
ويُفضل أكثر من نصف المشاركين (55%) بناء تحالفات تحقق مكاسب تجارية واستثمارية، حتى وإن كان الشريك يتبنى نظاماً سياسياً مختلفاً. في المقابل، يفضل 42% التحالف مع دول تشاركهم قيماً وأنظمة حكم مماثلة، حتى وإن كانت هذه الدول أقل فاعلية في تقديم منافع عملية. لذا، فإن الخيار ليس مجرد مفاضلة بين روسيا والغرب، بل هو مفاضلة بين علاقات تخدم مصالح الأفارقة وأخرى لا تحقق ذلك.
ويرى ثلاثة من كل خمسة مشاركين (60%) أن على بلدانهم إقامة تحالفات قوية مع قوة عالمية كبرى أو اثنتين لضمان تحقيق مكاسب طويلة الأمد، بينما يفضل 37% تبني الحياد. ورغم وجود رغبة قوية في الانخراط في شراكات دولية، إلا أن هناك أيضاً حرصاً كبيراً على الاحتفاظ بالسيطرة على شروط هذه الشراكات. اختبارٌ للوعود المقطوعة في موسكو
تُتيح القمة الروسية-الأفريقية، التي تُعقد على مدار يومي 28 و29 أكتوبر، فرصةً لموسكو لتعميق علاقاتها مع الحكومات الأفريقية. غير أن "استطلاع الشباب الأفريقي" (African Youth Survey) يشير إلى أن الحضور الدبلوماسي والقبول الشعبي لا يمثلان سوى جزءٍ من المعادلة؛ إذ يولي الشباب الأفريقي أهميةً بالغة للاستثمارات الملموسة، وحماية الموارد الطبيعية، ومنع الأطراف الخارجية من فرض إملاءاتها على الشؤون الداخلية.
وبالنسبة لهذا الجيل، لن تكون الوعود التي تقدمها روسيا في موسكو ذات أهميةٍ بقدر ما ستكون عليه نتائج الشراكات؛ فالعبرة تكمن في مدى قدرة هذه الشراكات على تعزيز الاقتصادات الأفريقية، وخلق الفرص، وضمان احتفاظ الدول الأفريقية بزمام السيطرة على خياراتها الخاصة.
من اهم نتائج "استطلاع الشباب الأفريقي" لعام 2026:
70% يرون أن العالم يزداد انقساماً وخطورةً، بدلاً من أن يتجه نحو مزيدٍ من التعاون.
81% يعتبرون الولايات المتحدة طرفاً مؤثراً في بلدانهم، تليها الصين بنسبة 79%، ثم روسيا بنسبة 54%، وفرنسا بنسبة 47%.
73% يؤكدون أن الديمقراطية تظل دائماً الخيار الأفضل مقارنةً بأي شكلٍ آخر من أشكال الحكم.
80% يؤيدون إصلاح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ليشمل تمثيلاً دائماً لأفريقيا.








