توقع مصطفى سليمان، الرئيس التنفيذي للذكاء الاصطناعي في شركة مايكروسوفت، أن يصل أداء الذكاء الاصطناعي إلى مستوى الأداء البشري في معظم المهام المهنية خلال 18 شهرًا، مما يجعل المحامين والمحاسبين والمسوقين ومديري المشروعات من بين أكثر الفئات عرضةً لخطر فقدان وظائفهم.
وفي حوار مع صحيفة فاينانشال تايمز، قدم سليمان أحد أدق وأشمل التوقعات التي صدرت حتى الآن من أحد رواد التكنولوجيا حول وتيرة إعادة تشكيل الذكاء الاصطناعي للعمل المكتبي.
وقد أعاد هذا التوقع إشعال نقاشٍ بدأ منذ مطلع عام 2025، عندما بدأ عدد من الرؤساء التنفيذيين يحذرون من أتمتة الوظائف المكتبية، بحسب تقرير لموقع "Mint"، اطلعت عليه "العربية Business".
توقع سليمان أن يصل الذكاء الاصطناعي إلى "مستوى أداء يضاهي البشر في معظم، إن لم يكن جميع، المهام المهنية".
وقال إن معظم المهام التي تتطلب "الجلوس أمام جهاز كمبيوتر" ستُؤتمت بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي خلال العام أو الثمانية عشر شهرًا القادمة، مُشيرًا إلى المحاسبة والقانون والتسويق، وحتى إدارة المشروعات، باعتبارها من المجالات الأكثر عُرضة للتأثر.
وأشار رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في "مايكروسوفت" إلى النمو الهائل في القدرة الحاسوبية كعامل رئيسي.
ومع تطور قدرات المعالجة، كما أوضح، ستتمكن نماذج الذكاء الاصطناعي من كتابة ومراجعة التعليمات البرمجية بكفاءة تفوق معظم المبرمجين البشريين، مما سينعكس إيجابًا على طيف واسع من المهن القائمة على المعرفة.
كما تبنى سليمان رؤية وصفها البعض بالديمقراطية فيما يتعلق بمستقبل تطوير الذكاء الاصطناعي، إذ قال إن "إنشاء نموذج جديد سيصبح أشبه بإنتاج بودكاست أو كتابة مدونة"، مضيفًا: "سيصبح من الممكن تصميم ذكاء اصطناعي يناسب احتياجات كل مؤسسة ومنظمة وكل شخص على هذا الكوكب".
الوضع الحالي يشبه أيام ما قبل تفشي كوفيد
لاقى تحذير سليمان صدىً في مقالٍ واسع الانتشار لباحث الذكاء الاصطناعي مات شومر، نُشرت نسخة منه في مجلة فورتشن.
وقارن شومر الوضع الراهن بشهر فبراير 2020، قبل أيام من وصول جائحة كوفيد-19 إلى الولايات المتحدة، مُشيرًا إلى أن الاضطراب القادم سيكون في نهاية المطاف أشد وطأةً من الصدمة الاقتصادية التي أحدثتها الجائحة نفسها.
وكتب كلٌ من سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي، وشومر، معبرين عن شعورهما بالقلق، بل والحزن الشخصي، إزاء رؤية التكنولوجيا التي طوراها تُحوّل أعمالًا سابقة إلى أعمال غير ذات جدوى بسرعة.
وكان إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة سبيس إكس، قال في حديثه في دافوس في يناير، إنه يعتقد أن الذكاء الاصطناعي العام، أي الذكاء الاصطناعي الذي يُضاهي أو يتجاوز مستوى الذكاء البشري، قد يظهر في وقت مبكر من هذا العام.
وفي مقال له في مجلة "ذا أتلانتيك" جادل الصحفي جوش تيرانجيل بأن الولايات المتحدة غير مستعدة للاضطراب القادم، مُشبهًا تحفظ الرؤساء التنفيذيين الأخير بشأن هذا الموضوع برؤية "زعنفة قرش تشق الماء".
ماذا تقول البيانات؟
رغم ضخامة هذه التوقعات، فإن الواقع الحالي يعكس صورة أكثر تعقيدًا. فقد أظهر تقرير صادر عام 2025 عن "رويترز" أن المحامين والمحاسبين والمدققين بدأوا تجربة الذكاء الاصطناعي في مهام محددة، مثل مراجعة المستندات والتحليلات الروتينية، لكن التحسينات في الإنتاجية لا تزال محدودة للغاية ولم تصل إلى مستوى يشير إلى استبدال جماعي للوظائف.
وفي بعض الحالات الموثقة، أدى الذكاء الاصطناعي إلى انخفاض إنتاجية العاملين بدلًا من زيادتها.
ووجدت دراسة أجرتها مؤسسة "تقييم النماذج وأبحاث التهديدات" غير الربحية أن تأثير الذكاء الاصطناعي على مطوري البرمجيات تسبب في زيادة مدة إنجاز المهام بنسبة 20% مقارنةً بما كانت عليه قبل استخدامه.
كما أن العوائد الاقتصادية من الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لا تزال مركزة. فقد أظهر بحث أجراه كبير الاقتصاديين في شركة أبولو غلوبال مانجمنت، تورستن سلوك، أنه في حين ارتفعت هوامش الربح في شركات التكنولوجيا الكبرى بأكثر من 20% في الربع الأخير من عام 2025، لم يسجل مؤشر بلومبيرغ 500 أي تغيير يُذكر.
أشار سلوك بشكل منفصل إلى أن "المستثمرين لا يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى زيادة الأرباح خارج قطاع التكنولوجيا"، مستشهدًا بتوقعات وول ستريت لمؤشر ستاندرد آند بورز 500.
التسريحات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي
مع ذلك، توجد مؤشرات مبكرة وقابلة للقياس على أن الذكاء الاصطناعي بدأ يُسهم في تقليص القوى العاملة.
وسجلت شركة الاستشارات الوظيفية "تشالنجر، غراي آند كريسمس" حوالي 49,135 عملية تسريح حتى الآن هذا العام، نُسبت إلى الذكاء الاصطناعي.
وقامت "مايكروسوفت" نفسها بتسريح 15,000 عامل العام الماضي، وبينما لم تُشر الشركة إلى الذكاء الاصطناعي كسبب رئيسي، قال الرئيس التنفيذي ساتيا ناديلا في مذكرة عقب عمليات التسريح إن على الشركة "إعادة تصور مهمتها لعصر جديد".
وبدأت الأسواق المالية بالفعل في استيعاب الإمكانات الثورية لهذه التقنية. ففي فبراير، شهدت أسهم شركات البرمجيات انخفاضًا حادًا مدفوعًا بمخاوف الأتمتة، والتي أطلق عليها المحللون اسم "SaaSpocalypse"، في إشارة إلى قطاع البرمجيات كخدمة.
وجاءت عمليات البيع هذه عقب إعلانات من قبل شركتي أنثروبيك وأوبن إيه آي عن أنظمة ذكاء اصطناعي وكيلة للمؤسسات، مصممة لأداء العديد من الوظائف الأساسية التي كانت تقوم بها سابقًا شركات وخدمات البرمجيات كخدمة.








