من سيحافظ على العلاقة بعملائكم يوم لن يعود الحجزُ بأيديهم، بل بيد ذكائهم الاصطناعي؟


  • بقلم : لطيفة زناينة

     

    استشارية أولى في استراتيجية الذكاء الاصطناعي ومحلِّلة بيانات متخصِّصة في فنادق الفخامة، الشريكة المؤسِّسة لمكتب الاستشارات "إيليت كونسلتينغ باريس"

     

     

    جوجل يطلق اختبارًا لحجز الفنادق عبر وكيل ذكاء اصطناعي في الولايات المتحدة

    تخيّلوا المشهد.

    يفتح أحد عملائكم الأوفياء، الذي اعتاد أن ينزل في أجنحتكم، هاتفه ليُعِدّ إقامته المقبلة. لم يعد يكتب اسم منشأتكم.

    بل يصف رغبته: أجواء هادئة راقية، وصالة رياضية على مسافة قريبة سيرًا على الأقدام، ومطعمان فاخران في الجوار.

    فيتولّى وكيل محادثة ذكي المقارنة والتصفية، ثم الحجز.

    وقد يظهر اسم فندقكم في مكان ما ضمن هذا الحوار. أو لا يظهر على الإطلاق.

     

    هذا بالضبط ما بدأت جوجل باختباره في مطلع أغسطس 2026. وهو يعني في المقام الأول القصور الفندقية ومنشآت الفخامة، لأن قيمتها تقوم على العلاقة المباشرة مع العميل، لا على أدنى الأسعار.

     

     

     

    ما الذي أطلقته جوجل تحديدًا

     

    في السابع من أغسطس، أكدت جوجل إطلاق اختبار محدود لحجز الفنادق عبر وكيل ذكاء اصطناعي، بالشراكة مع أماديوس (Amadeus). وأصبحت هذه الخاصية، المدمجة في ميزة "اسأل الخرائط" (Ask Maps)، تعرض أسعارًا وتوافرًا حقيقيَّين لا مجرد تقديرات تقريبية كما كان الحال سابقًا، وهي قادرة على معالجة طلبات معقّدة، تمامًا كما يفعل موظف الاستقبال في الفنادق الكبرى.

    في اليوم نفسه، أكد غلين فوجل، الرئيس التنفيذي لمجموعة بوكينج هولدينجز (Booking Holdings)، أن جزءًا من حركة الزوّار على منصّات مجموعته يمرّ بالفعل عبر هذا النوع من الحجز الوكيلي.

    ولم يكن شيء من هذا وليد الارتجال: فمنذ نوفمبر 2025، كانت جوجل قد أعلنت عن هذا المشروع. وفي مايو 2026، خلال مؤتمرها السنوي "جوجل آي/أو" (Google I/O)، منحته إطارًا تقنيًا عبر بروتوكولها الموحّد للتجارة (Universal Commerce Protocol)، وكانت أماديوس شريكها المؤسِّس لهذا البروتوكول في قطاع الفنادق.

    الزيارات تتراجع، أمّا الحجوزات فلم تتأثّر بعد

    حقيقتان لا ينبغي الخلط بينهما.

    فمن جهة، تراجع الزيارات العضوية موثَّق بالأرقام: إذ ترصد "ديجيتال كونتنت نكست" (Digital Content Next) انخفاضًا وسطيًّا بنسبة 10% خلال عام واحد، يصل إلى 25% لدى بعض العلامات التجارية. كما تسجّل "سير إنتراكتيف" (Seer Interactive) تراجعًا في معدّل النقر يبلغ 68% على الصفحات التي تعرض ملخّصًا مولَّدًا بالذكاء الاصطناعي.

    ومن جهة أخرى، لم يواكب تحوّل الحجوزات هذا الإيقاع بعد. وقد أكد المدير المالي لمجموعة بوكينج هولدينجز أن الحجوزات القادمة عبر وكلاء المحادثة الذكية لا تتجاوز نسبتها 1% من إجمالي ليالي الإقامة في المجموعة.

    «في هذه الفجوة بالذات — بين فقدان الظهور الرقمي والتحوّل الفعلي في الطلب — يكمن هامش المناورة المتاح لمنشأة الفخامة. فانتظار تحرّك أرقام الحجوزات قبل التحرّك يعني التحرّك بعد أن تكون النافذة قد أُغلقت بالفعل.» 

     

    معركة بدأت بالفعل

    والواقع أن جوجل تدخل هذه المعركة متأخّرة. فمنذ سنوات، تبني بوكينغ هولدينغز منظومتها المتكاملة للسفر حول برنامج ولائها "جينيوس" (Genius). كما استحوذت إكسبيديا (Expedia) عام 2026 على تطبيق "لايلا" (Layla) للتخطيط بالذكاء الاصطناعي التوليدي. وفتحت "أوبن إيه آي" (OpenAI) تطبيق "تشات جي بي تي" أمام الحجز منذ أكتوبر 2025، وكان من أبرز شركائها فيه بوكينج.كوم وإكسبيديا. أما "بيربلكسيتي" (Perplexity) فقد سبقتهم جميعًا إلى ذلك منذ مارس 2025.

     

    وفي مواجهة ذلك، أطلقت ماريوت (Marriott) مساعدها الخاص "اسأل بونفوي" (Ask Bonvoy) في يونيو 2026، بينما تعتمد مجموعة أكور (Accor) على برنامج ولائها "ALL" للحفاظ على الصلة بين مرحلتَي البحث والحجز.

    والقاسم المشترك بين كل هذه الاستجابات واحد: يبقى برنامج الولاء، في الوقت الراهن،

    الأصل الوحيد الذي لا يستطيع أي وكيل ذكاء اصطناعي الاستحواذ عليه.

     

    ماذا يعني هذا كلّه لعالم الفخامة

    إن وكيلًا ذكيًّا قادرًا على فهم عبارة مثل «أجواء مميّزة، بالقرب من صالة رياضية ومطاعم» لا يقارن بين الأسعار، بل يفسّر تجربة مرجوّة. وهذا فارق دقيق، لكنه حاسم بالنسبة إلى فنادق الفخامة، التي لم تُبنَ قيمتها يومًا على أدنى الأسعار.

    ويمكن لهذه الوكلاء أن تتحوّل إما إلى قناة تسطّح تجربة الضيافة وتختزلها في سمات عامة، أو إلى قناة اكتشاف جديدة تكافئ قوة هوية العلامة وجودة البيانات المنظَّمة بعناية. والفرق بين المسارَين لا يكمن في التقنية بحدّ ذاتها، بل في حوكمة البيانات، وفي مدى سرعة إدارة الفندق في طرح هذا السؤال على نفسها — قبل أن يُفرض عليها الموضوع تحت وطأة الاستعجال.

    ويبقى سؤال لم يحسمه أحد بعد: حين يتولّى وكيلٌ، لا المسافر نفسه، مهمّة الحجز — فمن سيحتفظ بالعلاقة مع العميل؟ ومن سيحصل على العمولة؟

     

     

    خاتمة

    لا تفعل جوجل، بحجمها الهائل، سوى فتح بابٍ كانت بوكينج وإكسبيديا وأوبن إيه آي وبيربلكسيتي قد تركته مواربًا من قبل. وما يتغيّر مع هذا الاختبار هو سرعة تحوّل هذا الموضوع إلى قضية لا يمكن لفنادق الفخامة أن تتجاهلها بعد اليوم.

    والتقنية هنا ليست سوى كاشفة. إنها تعرّي ما تملكه كل منشأة حقًّا وبشكل خاص بها — بياناتها، وعلاقتها بعملائها، وطريقتها في سرد ما يجعلها استثنائية — وتكشف في المقابل ما تكون قد فوّضته، دون وعي تامّ منها أحيانًا، إلى أطراف أخرى.

    والقصور والمنشآت الفندقية الفاخرة التي ستتعامل مع هذا الملف بوصفه قضية حوكمة، لا مجرد تعديل تقني عابر، هي التي ستوصي بها هذه الوكلاء الذكية غدًا — لأنها ستكون قد منحت الآلة ما يكفي من العناصر لفهم ما يميّزها حقًّا.

    وهذا التحوّل يُحسم الآن. لا بعد خمس سنوات.

     

    إن هذا التحوّل لا يُدار بالحدس وحده، بل بقراءة دقيقة لبيانات التوزيع الخاصة بمنشأتكم، وبخريطة طريق واضحة تُحوّل هذا التحدي إلى ميزة تنافسية.

     

    حمّل تطبيق Alamrakamy| عالم رقمي الآن