مراكز البيانات تتحول إلى منتجات

  •  بقلم روجر تشاويانغ وانغ

    المدير العام لمراكز البيانات العالمية في علي بابا كلاود إنتليجنس

     

    على مدى عقود، ارتبط إنشاء مراكز البيانات إلى حد كبير بإدارة مشروع إنشائي متكامل: بدءًا من تأمين الموقع وتصميم المنشأة، مرورًا بالتنسيق مع المقاولين وتركيب البنية التحتية واختبار الأنظمة، وصولًا إلى تشغيل معدات الحوسبة وبدء العمليات.

    لكن الذكاء الاصطناعي يجعل الاستمرار بهذا النموذج أكثر صعوبة. فالمسألة لا تقتصر على حجم القدرات الحاسوبية التي نحتاج إليها - إذ تتطلب أعباء عمل الذكاء الاصطناعي كثافة أعلى بكثير للقدرات الحاسوبية داخل رفوف تكنولوجيا المعلومات، واعتمادًا أكبر على تقنيات التبريد بالسائل، فضلًا عن بنية تحتية تتمتع بالمرونة الكافية لاستيعاب مختلف أجيال وأنواع مسرّعات الحوسبة، كل ذلك في حين يتسارع الطلب بوتيرة تفوق دورات الإنشاء التقليدية. لذلك، لم يعد السؤال يتمحور حول كيفية بناء مراكز بيانات أكبر حجمًا، بل حول كيفية تطوير البنية التحتية بالسرعة اللازمة لمواكبة متطلبات عصر الذكاء الاصطناعي.

    أبعد من مفهوم البناء النموذجي

    انطلاقاً من هذه الرؤية، قمنا بتطوير CUBE 5.0، بنية الجيل الجديد من مراكز البيانات، والتي كشفنا عنها للمرة الأولى خلال مؤتمر أبسارا 2024، الحدث التكنولوجي السنوي الأبرز الذي تنظمه شركة علي بابا كلاود. وتجمع بنية CUBE 5.0 بين نظام التبريد الهجين بالهواء والسوائل، والبنية المتقدمة للطاقة، والإدارة الذكية، والتصميم النموذجي مسبق الصنع، بهدف تلبية الطلب المتنامي والمتنوع على القدرات الحاسوبية اللازمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

    وشكّل إدخال بنية جديدة الخطوة الأولى فحسب. أمّا الجزء الأصعب فتمثّل في تحويلها إلى طريقة قابلة للتكرار لتوفير البنية التحتية. ولا يعني جعل بعض المكونات معيارية  بالضرورة تسريع عملية بناء مركز البيانات. فإذا كانت أجزاء أخرى من المشروع لا تزال تعتمد على أساليب التأسيس التقليدية والتكامل في مكان الموقع، فإن تلك الأجزاء تتحوّل إلى عنق الزجاجة. ولهذا السبب ركّزنا على توسيع نطاق المعايير النموذجية لتشمل أنظمة البنية التحتية الرئيسية، بما في ذلك الطاقة والتبريد والحماية من الحرائق والأمن والإدارة الذكية، من 30 في المائة إلى 90 في المائة في النسخة الأحدث من هذا النموذج.

    يقضي الهدف بنقل المزيد من الأعمال من موقع البناء إلى المصنع، حيث يمكن هناك تصنيع الوحدات وتجميعها واختبارها بشكل متوازٍ لتنفيذ عملية تجهيز الموقع. ثم يتم شحن هذه المكونات في وحدات تشبه الحاويات وتجميعها في الموقع كقطع البناء. وهذا يُغير طبيعة المشروع ككلّ. فبدلًا من بناء كل جزء بشكل متتالي في أرض الموقع، يمكننا تصنيع بنية تحتية موحدة ثم تجميعها في المكان المطلوب.

    من وجهة نظرنا، تحلّ المنتجات مكان المشاريع، وتحلّ المصانع مكان مواقع البناء.

    ما الذي تعنيه فترة 100 يوم بحق؟

    بفضل CUBE 5.0، تمكنا من تقليص مدة تسليم البنية التحتية لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي واسعة النطاق لتبلغ نحو 100 يوم فقط - مقارنةً بالبنية من الجيل السابق - بالتزامن مع خفض تكاليف الإنشاء لكل كيلوواط بنسبة 10 في المائة ورفع نسبة نجاح الاختبارات الأولية إلى ما يقارب 100 في المائة.

    وتتم العملية على ثلاث مراحل: 30 يومًا للإنتاج في المصنع وإعداد الموقع، و50 يومًا للتركيب في أرض الموقع، و20 يومًا للتشغيل وإجراء الاختبارات.

    الرقم بحدّ ذاته أقل أهمية من العوامل التي تجعل تحقيقه ممكنًا. ويتمثل بإنجاز المزيد من الأعمال بشكل متوازٍ ونقل العمليات إلى بيئة مصنعية. إنه تغيير في المسار ككلّ، وليس على صعيد السرعة فحسب - وهذا أمر مهم لأن مجموعة الحوسبة التي لا تكون متصلة بالإنترنت بعد، لا يمكنها دعم أحمال عمل الذكاء الاصطناعي. وبالنسبة إلى البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، صار وقت الحوسبة مقياسًا لا يقل أهمية عن التكلفة والكفاءة والموثوقية.

    موحّدة المعايير، لكنها غير متطابقة

    لا يعني النهج القائم على المنتج إنشاء مراكز بيانات متطابقة تمامًا في كل مكان. فلا يزال يتعين على عمليات النشر وتعميم الاستعمال على نطاق واسع، التعامل مع شبكات كهرباء، وأطر تنظيمية، ومناخات، ومواقع، ومعايير بناء مختلفة. وما هو قابل لتوحيد معاييره يجب القيام بذلك؛ وما يحتاج إلى التكيف محليًّا يجب أن يبقى مرنًا.

    بإمكان البنية التحتية الأساسية وعمليات التصنيع ومنهجيات الاختبار أن تكون قابلة للتكرار، في حين يمكن معالجة مسائل الربط بشبكات الكهرباء، والقراءة الهندسية للمواقع، ودراسة المتطلبات المحلية في كل موقع على حدة. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة مع توسع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على امتداد المناطق الجغرافية المختلفة. فالقدرة على إعادة إنتاج تصميم أثبت فعاليته دون الحاجة إلى إعادة ابتكار المشروع بأكمله في كل مرة، يمكن أن تجعل عملية النشر أسرع وأكثر قابلية لتوقّع الظروف والنتائج.

    تمثّل الطاقة العقبة التالية

    ومع ذلك، يوجد تحدٍ أكبر في انتظارنا: لا تزال البنية التحتية للطاقة الخاصة بمجموعات الذكاء الاصطناعي الضخمة والواسعة النطاق تستغرق سنوات من أجل التخطيط لها وتنفيذها، حتى في ضوء تسارع وتيرة نشر قدرات الحوسبة. وسيتطلب سد هذه الفجوة التعامل مع الحوسبة والطاقة بكونهما يشكّلان نظامًا واحدًا منسّقًا بدلًا من اعتبارهما مشكلتين منفصلتين - وهو تحول جذري سنستكشف تفاصيله بمزيد من العمق في مقال مقبل.

    البناء بسرعة الذكاء الاصطناعي

    بدأ مشروع CUBE 5.0 كاستجابة معمارية للمتطلبات المتغيرة للذكاء الاصطناعي. وقد ركز العمل منذ عام 2024 على تحويل تلك البنية المعمارية إلى نهج صناعي لتوفير البنية التحتية. وتُعد الدورة الزمنية التي تستغرق 100 يوم إحدى النتائج - لكنّ الدرس الأهم يرتبط بكيفية بناء هذه البنية. فقد أصبح مركز البيانات منتجًا: يُصنع بدلًا من أن يُبنى، ويُصَمّم ليتناسب مع الوتيرة التي يُحددها الذكاء الاصطناعي حالياً.

    حمّل تطبيق Alamrakamy| عالم رقمي الآن