بقلم : لطيفة زناينة
مستشارة أولى في استراتيجية الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات · متخصّصة في الضيافة الفاخرة · مكتب الاستشارات Elite Consulting Paris
مساءَ أمس، حجز أحدُهم جناحًا في فندقٍ فخم.
الفندق لا يعرف اسمه... ولا يعلم أنّها ذكرى زواجه. .. ولا يدري أنّه قادمٌ مع عائلته لعشرة أيام.
أمّا منصّة الحجز، فتعلم ذلك كلّه.
هذا المشهد يتكرّر كلَّ مساءٍ في أوروبا. وقد أتاحت دراسةٌ أوروبية حديثة، أُجريت على 2713 فندقًا في 28 دولة، قياسَ حجم هذه الظاهرة. فخلف أرقامٍ تبدو في ظاهرها تقنية، تروي هذه الدراسة قصةً تعنينا جميعًا: قصةَ المعركة على بيانات العميل.
وإليكم الأرقام السبعة التي استوقفتني.
اولا : 29.9%
هي نسبة حجوزات الفنادق التي تمرّ اليوم عبر وكالات السفر الإلكترونية، تلك المنصّات الكبرى التي نستخدمها جميعًا للمقارنة والحجز. ولم تكن تتجاوز 19.7% عام 2013. أي عشر نقاطٍ في اثني عشر عامًا وفي الفترة ذاتها، تراجع الحجز المباشر لدى الفنادق من 57.6% إلى 51.3%.
ثانيا : +4 نقاط وهي التفصيلة الأكثر دلالةً في الدراسة.
فقد كسبت المنصّات أكثر ممّا خسرته الفنادق؛ إذ انتزعت حصصًا من وكالات السفر التقليدية، ومنظّمي الرحلات، وتجّار الجملة أيضًا.
لقد وُعدنا بأنّ الإنترنت سيُلغي الوسطاء، فإذا به يُنشئ وسطاءَ جددًا أشدَّ نفوذًا.
ثالثا : 85.4%
طرفان اثنان وحدهما يستحوذان على أكثر من 85% من هذه السوق في أوروبا وهو تركّزٌ نادر، بات اليوم محلَّ اهتمامٍ خاصّ من الجهات التنظيمية الأوروبية في إطار القواعد الرقمية الجديدة.
رابعا : 51%
فندقٌ من كلّ فندقين يلاحظ أنّ غرفه تُباع عبر الإنترنت بسعرٍ أقلّ من سعرها على موقعه الخاص ، وأربعة من كلّ خمسة يؤكّدون أنّهم لم يمنحوا موافقتهم قطّ ، هي صفقةٌ رابحة للمسافر، لكنّها بالنسبة إلى الفندق فقدانٌ للسيطرة على سعره ذاته.
خامسا : 26%
فندقيٌّ من كلّ أربعة لا يعلم أصلًا إن كانت غرفه تُعاد بيعُها عبر مواقع أخرى.ففي الاقتصاد الرقمي، ما لا نراه لا نستطيع حمايته.
سادسا : 19% مقابل 9.1%
هو معدّل الإلغاء على المنصّة الأولى، مقارنةً بالحجز المباشر وإلغاءاتٌ أقلّ بمرّتين حين يحجز العميل مباشرة. وهو سلوكٌ يكشف الكثير عن طبيعة العلاقة: فنحن نلتزم أكثر تجاه من اخترناه بأنفسنا.
سابعا : 26%
فندقٌ واحد فقط من كلّ أربعة يستخدم الذكاء الاصطناعي اليوم.
وفي الأثناء، تستثمر المنصّات بكثافة في الوكلاء المحادِثين، أولئك المساعدين الأذكياء القادرين على البحث والمقارنة، وقريبًا على الحجز نيابةً عنّا.
المعركة الحقيقية: البيانات
بالنسبة إلى عامّة الناس، يبدو السؤال بسيطًا: أين أجد أفضل سعر؟ أمّا بالنسبة إلى قطاع الفنادق، فقد غدا سؤالًا استراتيجيًا: من يعرف العميل؟ فمن يتولّى تحصيل قيمة الحجز يعرف من يسافر، ومتى، ومع من، وبأيّ سعر، وبأيّ وتيرة. وهذه المعلومة كثيرًا ما تفوق قيمتُها قيمةَ الحجز نفسه.
بعد ستةٍ وعشرين عامًا في عالم الضيافة الفاخرة، من لندن إلى دبي، ومن جنيف إلى نيويورك، رأيتُ الحقيقة ذاتها في كلّ القارّات:
«المسافر لا يختار قناةً للحجز، بل يختار أن يُعرَف. وفي الاقتصاد الرقمي، من يملك البيانات يملك العلاقة.»
غدًا، سيحجز الذكاء الاصطناعي نيابةً عنّا
إنّ الثورة المقبلة قد انطلقت بالفعل.
غدًا، لن نكتب «فندق جنيف» في محرّك البحث. بل سنطلب من مساعدنا الذكي: «اعثر لي على فندقٍ هادئ قرب البحيرة، لثلاث ليالٍ، مع غرفةٍ عائلية.»
وسيختار المساعد.. ولكن وفق أيّ معايير؟ وبناءً على أيّ بيانات؟ ولمصلحة من؟
إنّ هذه الأسئلة تتجاوز قطاع الفنادق بكثير؛ فهي تمسّ طريقة استهلاكنا برمّتها: من سيكون صاحبَ الكلمة الأخيرة في اختياراتنا، الإنسانُ أم العلامةُ التجارية أم الخوارزمية؟
الفنادق التي تُحسن استثمار بياناتها الخاصة، وتُعِدّ حضورها لدى المساعدين الأذكياء، ستحافظ على صلتها بعملائها. أمّا الأخرى، فستصبح خفيّة.








