كتب : اسلام توفيق
أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، عددًا جديدًا من مجلته "آفاق اجتماعية"، التي تصدر بدورية نصف سنوية، وتناقش مجموعة متنوعة من الرؤى الاجتماعية من خلال المقالات المختلفة التي يشارك في كتابتها نخبة من المفكرين والخبراء، بالإضافة لمجموعة من باحثي المركز، بهدف إثراء النقاش الفكري بشأن هذه الموضوعات والرؤى.
تضمنت مقالات العدد مقالًا تحت عنوان "تحولات أنماط التنمر: من الفضاء الواقعي إلى الفضاء الرقمي"، للدكتورة أميرة شوقي سليمان وكيل الدراسات العليا والبحوث كلية الدراسات الإفريقية العليا جامعة القاهرة، والتي أوضحت أن "التنمر الرقمي" هو إيذاء متعمد وممنهج يتم عبر وسائل التواصل الإلكترونية والمنصات الرقمية، ويؤدي بالأخص في ثوبه الإلكتروني الذي يلاحق الضحية في كل زمان ومكان إلى أزمات نفسية حادة، لذا فمن الواجب الإنساني والمهني التعامل مع هذا الملف بجدية مطلقة وتقديم كافة سبل الدعم النفسي والاجتماعي اللازم للضحايا.
وأشار المقال أنه لمواجهة هذا الأمر لابد من استراتيجية شاملة تشارك فيها الأطراف كافة بدءًا من الفرد، ووصولاً للجهات الحكومية والتقنية، حيث يجب على الأفراد رفع وعيهم الرقمي وحماية بياناتهم والتبليغ فورًا عن أي إساءة، أما الأسرة فهي حجر الزاوية عبر غرس قيم الاحترام والتعاطف منذ الصغر وتوفير بيئة آمنة يشعر فيها الطفل بالراحة للتحدث عن مشاكله، كما يجب على الوالدين تخصيص وقت للاستماع الواعي للطفل، وتعليمه مهارات "توكيد الذات" وكيفية رفض الإساءة بحزم دون عدوانية، وبناء ثقة الطفل بنفسه وتدريبه على حل المشكلات هما أفضل وقاية.
أما بالنسبة للدور التعليمي والتقني، فأشارت إلى أهمية قيام المدارس والجامعات بتحديث المناهج لتشمل قيم الاحترام وقبول الآخر، ووضع لوائح وتفعيل قوانين رادعة ضد أي ممارسات عدائية، بالإضافة إلى توفير مكاتب متخصصة لتلقي الشكاوى ودعم الضحايا نفسيًا، وتفعيل برامج توعوية شاملة تستهدف الطلاب وأعضاء هيئة التدريس على حد سواء، لتعريفهم بمخاطر هذا السلوك وكيفية التعامل معه، كما تلعب شركات التكنولوجيا دورًا محوريًا في تطوير أدوات للإبلاغ الفوري ومكافحة المحتوى الضار.
وبالنسبة للحلول المفصلية والمبتكرة فتتمثل في: (1- تمكين الشهود (تحويل المتفرج إلى مدافع)، لأن أغلب حالات التنمر تحدث أمام جمهور صامت وإذا تحول هذا الجمهور من متفرج محايد إلى مدافع إيجابي يستخدم عبارات مثل "توقف، هذا ليس مضحكًا" سيفقد المتنمر قوته المستمدة من هذا الصمت، 2- الذكاء الاصطناعي والمواطنة الرقمية: بتعليم الأجيال أن خلف الشاشات "بشر" لهم مشاعر، وتطوير خوارزميات تكتشف خطاب الكراهية فورًا وتدعم الضحية في الوقت الحقيقي، 3- إعادة تأهيل المعتدي: فالعقاب وحده لا يكفي، فالمتنمر غالبًا ما يكون ضحية لظروفه الخاصة، وبالتالي فإن التركيز على علاجه نفسيًا وتنمية "الذكاء العاطفي" لديه يقطع دابر العنف من جذوره ويمنع تكرار هذا السلوك).
وفيما يتعلق بالدور الحكومي: فقد تم التأكيد على أهمية وضع سياسات وطنية موحدة من قوانين تغلظ العقوبة على التنمر الإلكتروني من خلال وزارات التعليم والعدل والاتصالات، إلى تطوير أنظمة متقدمة للإبلاغ عن التنمر الإلكتروني، كما يمكن للمؤسسات الحكومية أن تخصص جوائز وطنية للأعمال الإبداعية التي تناهض التنمر، وأيضًا تنظيم مسيرات مجتمعية وفعاليات رياضية تحت شعار موحد لمناهضة التنمر بمشاركة شخصيات عامة لزيادة الوعي، وإنشاء مكاتب دعم متخصصة في مجمعات الخدمات الحكومية، تقدم استشارات قانونية مجانية لضحايا التنمر الرقمي.
وتمت الإشارة إلى الدور الإعلامي في هذا الأمر عبر إنتاج محتوى حواري أو درامي وبرامج تعالج قضية التنمر وتظهر عواقبها الوخيمة، ويمكن في هذا السياق بث ومضات توعوية أو لقاءات مع متخصصين وخبراء نفسيين، أما الصحف والمواقع الإخبارية فيمكنها نشر مقالات تحليلية وتقارير معمقة، وفي وسائل التواصل الاجتماعي يمكن إطلاق حملات تفاعلية واستخدام مقاطع فيديو قصيرة مؤثرة.
كما تضمن العدد مقالًا للدكتورة أسماء فريد الباحثة بمركز البحوث والدراسات الاجتماعية كلية الآداب جامعة القاهرة، تحت عنوان "الأطفال والهواتف الذكية: ضرورة منه أم مبالغة تربوية؟ دراسة اجتماعية - نفسية تحليلية"، وقد استعرض المقال التجارب الدولية والعربية للحد من الاستخدام المفرط للهواتف الذكية والحد من مخاطرها على الأطفال، وتعد "فرنسا" من أبرز الدول التي أصدرت تشريعًا واضحًا للحد من استخدام الهواتف الذكية للأطفال داخل المدارس عام ٢٠١٨، حيث أصدرت لجنة خبراء في فرنسا تقريرًا يوصي بمنع استخدام الهواتف قبل عمر ١١ سنة وتأخير الوصول إلى الإنترنت حتى ١٣-١٥ عامًا، فيما أصدرت "وزارة التعليم الصينية" عام ٢٠٢١ تعميمًا يقضي بعدم السماح للطلاب بإحضار الهواتف المحمولة إلى المدارس إلا في حالات استثنائية وبموافقة مكتوبة من أولياء الأمور، وفي حال السماح بإحضار الهاتف يجب تسليمه لإدارة المدرسة عند الوصول، ولا يسمح استخدامه داخل الفصول الدراسية.
كما اتبعت كل من "إيطاليا وبريطانيا وأستراليا" سياسات مشابهة خاصة بحظر استخدام الهواتف الذكية داخل المدارس بهدف الحد من التشتت الذهني لدى الطلاب وتعزيز التفاعل الاجتماعي داخل البيئة المدرسية، وطرحت "ألمانيا" مبادرة لحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال تحت ١٤ عامًا مع تعزيز التحقق الرقمي للأطفال والمراهقين وأصدرت "تشيلي" قانونًا يحظر استخدام الهواتف الذكية داخل الفصل الدراسي في المدارس الابتدائية والمتوسطة، مع استثناء لبعض الحالات التعليمية لتقليل التشتت وتحسين التعلم، وقد أعلنت بعض الدول الإسكندنافية مثل "السويد، والدنمارك" عن خطة لحظر الهواتف المحمولة في المدارس ورياض الأطفال وتشجيع تأخير امتلاكها حتى سن ١٣ عامًا.
وقامت عدد من الدول العربية ببعض الجهود المحمودة في محاولاتها الحد من مخاطر الهواتف الذكية على الأطفال، وكانت دولة "الإمارات" من أولى الدول العربية التي اتخذت خطوات جادة في الحد من استخدام الهواتف الذكية للأطفال، حيث تعود الجهود الإماراتية في حماية الأطفال من مخاطر الإنترنت والفضاء الرقمي إلى عام ۲۰۰۱ عندما انضمت إلى اتفاقية حماية الطفل من الجرائم السيبرانية، كما أطلقت وزارة الداخلية بالشراكة مع البرنامج الوطني للسعادة وجودة الحياة مبادرة السلامة الرقمية للطفل، في مارس ٢٠١٩، لتوعية الأطفال في الفئة العمرية من ٥ إلى ١٨ عامًا، بأسس استخدام الإنترنت، وكيفية التصرف مع أي إساءة أو خطر محتمل من خلال تدريب الأطفال على الاستخدام الأمن المواقع الإنترنت وتطبيقات التواصل الاجتماعي والأجهزة الذكية، كما أن لديها القانون الاتحادي رقم 3 لسنة ٢٠١٦ بشأن حقوق الطفل والمعروف باسم قانون وديمة، الذي يلزم شركات الاتصال ومزودي خدمات شبكة المعلومات الإلكترونية بضرورة إبلاغ السلطات المختصة عن آية مواد إباحية للأطفال يتم تداولها عبر مواقع وشبكة المعلومات الإلكترونية، كما يجب تقديم المعلومات والبيانات عن الأشخاص أو الجهات أو المواقع التي تتداول هذه المواد أو تعمد على التقرير بالأطفال، وقد اتخذت إجراءات تنظيمية واضحة للحد من استخدام الهواتف الذكية في البيئة المدرسية، حيث أصدرت وزارة التربية والتعليم لوائح تمنع استخدام الهواتف المحمولة داخل المدارس الحكومية، بهدف تعزيز تركيز الطلاب والحد من التشتت داخل الفصول الدراسية، وتشمل هذه اللوائح إجراءات رقابية مثل التفتيش الدوري ومصادرة الهاتف في حال مخالفته للقواعد المعمول بها داخل المدرسة.
واتخذت المملكة العربية السعودية نفس الإجراء التنظيمي الخاص بمنع الهواتف داخل المدارس، وتبنت وزارة التعليم عددًا من البرامج التوعوية في المدارس حول الاستخدام الأمن للتقنيات الرقمية إلى جانب إدراج موضوعات تتعلق بالسلامة الرقمية في بعض المناهج والأنشطة الطلابية، وشددت على منع استخدام الهواتف الذكية في التصوير داخل المدارس أو نشر المحتوى المرتبط بالطلاب أو المعلمين عبر الإنترنت دون إذن، وذلك لحماية الخصوصية ومنع التنمر الإلكتروني أو الإساءة الرقمية، كما أطلقت هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات حملات توعوية مثل مبادرة "لا تتركهم لوحدهم" التي تهدف إلى توعية الأسر بضرورة مراقبة استخدام الأطفال للإنترنت والأجهزة الذكية، وتشير الأنظمة القانونية إلى وجود عقوبات قد تصل إلى السجن أو الغرامة في حال استخدام الأجهزة الرقمية للإضرار بالآخرين أو انتهاك خصوصيتهم.
كما اتخذت دولة "قطر" خطوات مهمة في هذا المجال، حيث أطلقت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات برامج لتعزيز الثقافة الرقمية والوعي بالأمن السيبراني لدى الأطفال، بالإضافة إلى ذلك وضعت وزارة التعليم والتعليم العالي لوائح تمنع استخدام الهواتف المحمولة داخل الفصول الدراسية، مع السماح باستخدامها في حالات تعليمية محددة تحت إشراف المعلم، والتي تهدف إلى تعليم الأطفال كيفية استخدام الإنترنت والتكنولوجيا بشكل آمن ومسؤول، مع التركيز على حماية الخصوصية والوقاية من التنمر الإلكتروني والمخاطر الرقمية.
وفي جمهورية مصر العربية شهدت السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا بقضية الاستخدام الآمن للتكنولوجيا لدى الأطفال، حيث أصدرت وزارة التربية والتعليم قرارًا بحظر استخدام الهواتف المحمولة داخل المدارس خلال العملية التعليمية في جميع مراحل التعليم قبل الجامعي، كما شهدت مصر مناقشات برلمانية ومقترحات تشريعية تهدف إلى تقنين استخدام الهواتف المحمولة للأطفال، إلى جانب إطلاق مبادرات مثل مبادرة "المواطنة الرقمية" التي تهدف إلى تعزيز الاستخدام الآمن للتكنولوجيا، وتنمية وعي الأطفال بمخاطر الاستخدام غير الآمن للفضاء الرقمي.
وتناول العدد التقرير الصادر عن منظمة العمل الدولية بعنوان "اتجاهات التوظيف والوضع الاجتماعي" والذي سلَّط الضوء على حالة الاستقرار النسبي في أسواق العمل العالمية رغم ارتفاع مستويات عدم اليقين الاقتصادي، لكنه كشف في الوقت ذاته تباطؤًا واضحًا في تحسين جودة العمل، وأشار التقرير إلى أن سوق العمل العالمي يمر بمرحلة استقرار نسبي رغم استمرار الضغوط الهيكلية، حيث يُتوقع أن يظل معدل البطالة عند نحو ٤,٩% خلال عام ٢٠٢٦ ، وهو ما يعادل قرابة ١٨٦ مليون عاطل حول العالم، مع زيادة إضافية تُقدر بمليون عاطل في عام ۲۰۲۷ نتيجة توسع حجم قوة العمل عالميًا، مشيرًا إلى أن فجوة الوظائف التي تعكس الفرق بين عدد الباحثين عن عمل وعدد الوظائف المتاحة قد تصل إلى نحو ٤٠٨ ملايين وظيفة في ٢٠٢٦، مما يدل على استمرار تحدي خلق فرص عمل كافية.
فيما لفت التقرير الانتباه إلى أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في عدد الوظائف بل في جودتها، حيث لا يزال الوصول إلى عمل لائق بعيد المنال لدى قطاع واسع من القوى العاملة العالمية، حيث أظهر التقرير أن نحو ٢٨٤ مليون عامل يعيشون بأقل من ٣ دولارات يوميًا مع تزايد هذه الظاهرة في الدول منخفضة الدخل، كما أن حوالي 2.1 مليار عامل أي ما يقارب 57.7% من القوى العاملة، يعملون في القطاع غير الرسمي وهو اتجاه في تزايد مستمر مما يعكس هشاشة سوق العمل.
وأكد التقرير أن النساء يواجهن تحديات أكبر من الرجال في الحصول على وظائف ذات جودة، بينما يواجه الشباب مستقبلًا وظيفيًا أكثر صعوبة نتيجة تباطؤ التوظيف وتأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف، ومن المتوقع أن ينمو إنتاج العمل العالمي بنسبة تصل إلى نحو 2% خلال عام ٢٠٢٦، مما يعكس استمرار الاتجاهات التي شهدتها الفترة من ۲۰۱۰ إلى ۲۰۲۰ مع وجود اختلافات إقليمية حيث يؤدي ضعف نمو الإنتاجية في البلدان منخفضة الدخل إلى تفاوت مستويات الدخل، ويُبطئ التقدم نحو توفير فرص عمل لائقة.








