بقلم : خالد حسن
في قلب القرى المصرية، حيث كانت الأحلام تتقيد أحياناً بحدود الجغرافيا ونقص الفرص، انطلقت مبادرة "معاكي" لتفتح آفاقاً لم تكن مطروقة من قبل. هي ليست مجرد مشروع لشركة اتصالات " فودافون مصر "، بل هي شراكة استراتيجية بين القطاع العام والخاص تستهدف إعادة رسم مستقبل المرأة الريفية عبر بوابة التكنولوجيا.
وفى الحقيقة كان من دواعي سرور مشاركة احتفال محافظة المنيا ، مؤخراً ، بنجاح المرحلة الأولى من مبادرة " معاكي " ، حيث انضمت أكثر من 1200 سيدة للبرنامج. هؤلاء السيدات، اللواتي يُطلق عليهن "سفيرات معاكي"، قمن بنشر الوعي الرقمي في مجتمعاتهن المحلية، مما حول التكنولوجيا من "رفاهية" إلى "أداة إنتاج" ونجحوا فى الانتقال من مجرد مستخدمين للادوات اتكنولوجية الى أصحاب عمل حقيقى يوفر لهم دخل مادي ساهم بالفعل فى تغير حياتهم وحياة أسرهم الى الأفضل وتحسين مستوى المعيشة .
من المهم فى البداية ان نؤكد أن مبادرة "معاكي" هي مشروع تنموي طموح أطلقته شركة فودافون مصر بالتعاون مع جهاز تنمية المشروعات (MSMEDA)، وشركة سامسونج، ومؤسسة كير مصر للتنمية حيث تهدف المبادرة بشكل أساسي إلى سد الفجوة الرقمية وتمكين المرأة في المناطق الريفية وصعيد مصر من خلال تعزيز الشمول المالي والتمكيـن الرقمي.
تعتبر مبادرة "معاكي" بمثابة "جسر رقمي" نقل المرأة في المحافظات من التهميش التكنولوجي إلى قلب الاقتصاد الرقمي. لا يقتصر التأثير على امتلاك هاتف فحسب، بل يمتد ليشمل تغيير ثقافة التعامل مع التكنولوجيا.
وبالطبع تستهدف مبادرة "معاكي" إحداث تأثير إيجابي في حياة مليون امرأة ريفية على مدار ثلاث سنوات. وتعتمد في ذلك على ثلاث محاور أساسية أولها " الشمول المالي الرقمي " عبر توفير تدريب للسيدات على استخدام الخدمات المالية الحديثة مثل "فودافون كاش"، مما يتيح لهن إدارة أموالهن، وإجراء التحويلات، وتحصيل الفواتير، والحصول على عمولات تضمن لهن دخلاً مستداماً.
على حين أن المحور الثانى فهو " التأهيل التكنولوجي "من خلال توفير الأدوات الرقمية (مثل الهواتف الذكية المقدمة من سامسونج) والتدريب على مهارات تكنولوجيا المعلومات الأساسية وحماية البيانات أما المحور الأخير فهو " دعم المرأة للدخول الى عالم ريادة الأعمال والشركات الناشئه " وذلك بالتعاون مع جهاز تنمية المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة لتطوير المهارات الريادية للسيدات، مما يساعدهن على إطلاق مشروعاتهن الخاصة والاندماج في الاقتصاد الرسمي.
وفى إعتقادي يتخطى التأثير التكنولوجي للمبادرة عن مجرد اتاح فرصة جديدة للعمل وزيادة دخل المرأة المصرية فى القرى والنجوع بالمحافظات عبر استخدام الأدوات الاتصالات و التكنولوجيا " الانترنت والهاتف المحمول " وانما تمتد الى محوريين أساسيين الاول محو الأمية الرقمية (Digital Literacy)من خلال كسر حاجز الخوف: المبادرة دربت آلاف السيدات على التعامل مع الأجهزة الذكية، محولةً الموبايل من أداة للترفيه أو الاتصال فقط إلى "أداة إنتاج" وإدارة أموال.
أما المحور الثاني فيتمثل فى التوعية بمبادىء الأمن السيبراني البسيط عبر ما يقدمة خبراء شركة " فودافون " من تدريب للسيدات على حماية بياناتهن الشخصية، وتجنب الاحتيال الإلكتروني، وكيفية استخدام كلمات المرور الآمنة للمحافظ الإلكترونية.
فى تصورى أن المبادرة هي نواة انتقال المرأة المصرية بالقرى والنجوع فى المحافظات الى مستقبل رقمي شامل لكونها تضع تمكين المرأة في صلب استراتيجيتها لتحقيق أهداف رؤية مصر 2030. فتمكين المرأة الريفية يعني تمكين المجتمع بأكمله؛ فحين تمتلك المرأة المعرفة والأداة، تصبح قادرة على تغيير واقعها الاقتصادي والاجتماعي.
ولعل هذا ما أتضح لي بصورة كبيرة على أرض الواقع أن هذه المبادرة نجحت في تحريك المياه الراكدة داخل المجتمع المحلي بمحافظة المنيا، وأسهمت في خلق حالة من التفاعل الإيجابي بين المواطنين، خاصة السيدات والشباب، أنها قدمت نموذجًا ناجحًا للشراكة بين القطاع الخاص والمجتمع المدني، بما ساعد في التمكين الاقتصادي والاجتماعي للمرأة، وكشف عن قدرات كبيرة لدى سيدات بالمحافظة يمكن البناء عليها خلال المرحلة المقبلة.
ومن خلال استماعي لبعض قصص النجاح لبعض السيدات من محافظة المنيا الذين نجحوا فى الاستفادة من المبادرة والتى أود أن أشاركها هنا معكم ، والتى أثبتت أن السيدات لديهن استعداد قوي لتحمل المسؤولية والمساهمة في جهود التنمية متى توفرت لهن الفرصة المناسبة ، لتكون محفزا لجميع السيدات فى باقى المحافظات لبداية مسيرتهم المهنية والعملية باستخدام الأدوات التكنولوجية
" سماح " .. واستكال حلم " الماجستير "
قبل المبادرة : تخرجت سماح كغيرها من الكثير من خريجات كلية التجارة بتقدير جيد جدا الا انه فشلت فى أن تجد فرصة عمل تتناسب مع دراستها فى مجال المحاسبة المالية وعندما أرادت إستكمال مسارها التعليمى والتقدم للدراسات العليا بالجامعة من أجل الحصول على الماجستير كانت التكلفة المالية أكبر عقبة مالية تواجهها الا انها عندما إنضمت الى مبادرة " معاكي" وباتت وكيلة لتقديم كافة خدمات شركة فودافون كاش لأهل قريتها ، حيث بدأت باجراء 5 علميات فقط يوميا " ووصلت اليوم الى 250 عملية بما يحقق لها دخل مالى ثابت يصل الى 7.5 ألف جنيه شهريا بما ساعدها على استكمال مسيرتها نحو حلم الحصول على الماجستير .
"مريم" .. من العزلة الرقمية إلى "رائدة أعمال ذكية "
قبل المبادرة : كانت مريم (34 عاماً) تدير مشروعاً منزلياً صغيراً لتطريز المفروشات، لكن مبيعاتها كانت تقتصر فقط على جيرانها في القرية. لم تكن تملك هاتفاً ذكياً، وكان التعامل مع الحسابات الورقية يسبب لها خسائر مستمرة وبعد الانضمام لمبادرة "معاكي": استلمت مريم هاتفاً ذكياً وتدربت على مهارات التسويق عبر منصات التواصل الاجتماعي. الأهم من ذلك، أصبحت "وكيلة" لخدمات فودافون كاش في منطقتها والآن، تستقبل مريم ثمن طلبياتها من محافظات أخرى عبر "فودافون كاش"، وتحقق دخلاً إضافياً من العمولات التي تحصل عليها مقابل مساعدة جيرانها في دفع الفواتير وشحن الرصيد، مما ضاعف دخلها الشهري ثلاث مرات.
"فاطمة" .. كسر حاجز الخوف من التكنولوجيا
قبل المبادرة : كانت فاطمة تخشى لمس الأجهزة الإلكترونية وتظن أن التكنولوجيا "للمتعلمين فقط". كانت تضطر للسفر إلى المدينة والانتظار في طوابير طويلة لصرف مساعدات مالية أو دفع مصروفات أبنائها الدراسية وبعد الانضمام لـ "معاكي": تلقت تدريباً بسيطاً وعملياً ضمن برنامج "التثقيف المالي الرقمي". تعلمت كيف تحمي بياناتها وتستخدم المحفظة الإلكترونية بأمان ولكن الان أصبحت فاطمة "سفيرة رقمية" في نجعها. لا توفر وقتها ومجهودها فحسب، بل تقوم بتعليم جاراتها كيفية استخدام الموبايل في المعاملات المالية، مما منحها مكانة اجتماعية وثقة بالنفس لم تكن تتخيلها.
"سعاد" .. والأمل في الشمول المالي
قبل المبادرة : كانت سعاد تدخر أموالها في "جمعيات" تقليدية أو تخبئها في المنزل، مما يجعلها عرضة للسرقة أو الضياع، ولم تكن تملك سجلاً مالياً يتيح لها الحصول على قرض لتوسيع تجارتها في بيع المنتجات الورقية.
بعد الانضمام لـ "معاكي": من خلال شراكة المبادرة مع جهاز تنمية المشروعات، تمكنت سعاد من فتح حساب مالي رقمي موثق. تعلمت كيف تدير تدفقاتها المالية وتسجل صفقاتها إلكترونياً والان بفضل السجل المالي الذي كوّنته عبر معاملاتها في المبادرة، استطاعت الحصول على تمويل متناهي الصغر لتطوير مخزنها. انتقلت سعاد من "العمل العشوائي" إلى "العمل المنظم"، وأصبحت نموذجاً ملهماً لبنات قريتها في الاستقلال المادي.
" سوزان " .. من الوظيفة الى العمل العائلي
قبل المبادرة : كانت سوزان تنتقل من عمل الى اخر ، رغم أنها أم لثلاث أبناء ، وذلك رغبة منها فى تحقيق ذاتها والمساهمة في تغطية نفقات الاسرة ولكن كانت تواجه أن غالبية الوظائف غير دائمة وترتبط بتنفيذ مشروعات محددة فى فترة زمنية محددة وعندما سمعت عن مبادرة " معاكي " قررت الانضمام للمبادرة وذلك بتشجيع من زوجها ، الموظف بهيئة البريد المصرى ، ونجحت فى مضاعفة عملياتها عبر تقديم خدمات فودافون الى 275 عملية شهريا بما ساعدها على جنى نحو 7.8 الف جنيه شهريا وكان مصدر سعادة لها ولاسرتها لتحسين مستوى المعيشة .
فى النهاية نؤكد إن مبادرة "معاكي" تثبت أن سد الفجوة الرقمية هو الخطوة الأولى نحو العدالة الاجتماعية والنمو الاقتصادي. هي دعوة لكل امرأة في المحافظات بأن المستقبل "معاكي" وبيديكِ، طالما توفرت الفرصة والدعم المناسب.








