نبضات الذكاء الاصطناعي ..فرصة تاريخية للتنمية الرقمية في أفريقيا

  •  

    بقلم : خالد حسن

    ما من شك أن إفريقيا سوف تكون محطة القادمة لقطار التنمية العالمى وأن كثير من دول المتقدم أصبحت تضع القارة السمراء تحت أنظارها وتحاول أن تتعرف على الكنوز الغير تقليدية التى تمتلئ بها هذه القارة ولعل هذا ما أتضح بصورة واضحة خلال فاعليات مؤتمر هامش قمة “أفريقيا – فرنسا” ، والتى عقدت مؤخرا في العاصمة الكينية نيروبي ، تحت شعار "أفريقيا إلى الأمام" وتهدف إلى تعزيز الشراكة الأفريقية - الفرنسية بالتركيز على تحديات النمو الاقتصادي، والتحول الرقمي، والطاقة، وإصلاح النظام المالي الدولي، فضلاً عن دمج الأولويات الأفريقية ضمن الأطر الاقتصادية العالمية، حيث شهدت القمة مشاركة واسعة من القادة الأفارقة والرئيس الفرنسي وسكرتير عام الأمم المتحدة والعديد من رؤساء منظمات التمويل الدولية والإقليمية فضلاً عن ممثلي قطاع الأعمال الأفريقي والفرنسي.

     

    وبالطبع فان التنمية التكنولوجية فى الدول الإفريقية تحتاج إلى ضخ المزيد من الاستثمارات المالية ، التى تتجاوز عشرات مليار دولار وفقا لتقدير الاتحاد الدولى للاتصالات ، كما أن هذه التنمية سوف تشكل أحد أهم ملامح خطط التنمية الشاملة التى سوف تنتهجها العديد من الدول الإفريقية خلال السنوات القادمة .

     

    وهنا تأتى أهمية ما أكده المهندس رأفت هندي وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ، خلال مشاركته في مائدة مستديرة حول الذكاء الاصطناعي والرقمنة بالقمة ضمن مشاركته بالوفد المصري برئاسة فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي في أعمال القمة ، من أن الذكاء الاصطناعي يشهد حاليا تحولا استراتيجيًا فى مسارات التنمية والقدرة التنافسية عالميا؛ موضحا أنه لم يعد مجرد قضية تكنولوجية، بل أصبح مرتبطا بصورة مباشرة بمستقبل الاقتصادات، والسيادة الرقمية ومكانة الدول فى الاقتصاد العالمي الجديد؛ مضيفا أن مستقبل الذكاء الاصطناعى فى أفريقيا يجب أن يبنى برؤية أفريقية موحدة، وشراكات متوازنة، ونفاذ عادل إلى البنية التحتية الرقمية المتقدمة بما يتيح تحقيق تنمية شاملة قائمة على الأولويات المحلية والأهداف الوطنية؛ مشيرا إلى تطلع مصر للتعاون مع أشقائها جميعاً في سبيل تحقيق هذه الرؤية.

     

    وفى نتصور ان انعقاد مثل هذه الفعليات هى خطو تكشف عن تزايد اهتمام دول القارة بضرورة مواكبة التطور الرقمي ونمو الوعى لدى الدول الإفريقية نفسها حيث بدأت رؤيتها لحقوقها الدولية تتغير وأنها ترى نفسها شريكا أساسيا فما وصلت إليه الدول الصناعية من تقدم فبدون وجود الأسواق الإفريقية ستواجه الشركات العالمية بكثير من تحديات فى توسيع وتنفيذ خططها الإنتاجية التوسعية .

     

    ومع تسابق العالم نحو "عصر الخوارزميات"، لم تعد القارة الأفريقية تنظر إلى الذكاء الاصطناعي كرفاهية تقنية، بل كضرورة استراتيجية وأداة سيادية لإعادة صياغة مستقبلها. إن توظيف هذه التقنيات يمثل اليوم حجر الزاوية لبناء رؤية أفريقية مشتركة ترتكز على اربعة محاور أساسية " التنمية المستدامة "، "بناء القدرات البشرية"، و" حماية سيادة البيانات "  واخيرا " ميثاق أخلاقي أفريقي موحد " .

     

    فبالنسبة التنمية المدفوعة بالبيانات فان القارة السمراء لا تهدف إلى "استيراد" الحلول الجاهزة، بل إلى تطويع الذكاء الاصطناعي لخدمة قطاعات حيوية. تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف قرابة 1.2 تريليون دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي لأفريقيا بحلول عام 2030، مما يرفع النمو الاقتصادي بنسبة تصل إلى 5.6% سنوياً إذا تم استغلاله بشكل صحيح لاسيما فى قطاعى الزراعة والصحة ففى مجال الزراعة يمكن استخدام أنظمة التنبؤ بالمناخ وتحليل التربة، يمكن رفع الإنتاجية الزراعية بنسبة 20%، وهو أمر مصيري لقارة يعمل 60% من سكانها في هذا القطاع اما فى مجال "الصحة " تساهم خوارزميات التشخيص المبكر في سد العجز في الكوادر الطبية، حيث تبلغ نسبة الأطباء في بعض الدول الأفريقية طبيباً واحداً لكل 10 الاف مواطن .

    وفيما يتعلق بمحور " سيادة البيانات " والذى يمكن ان نطلق عليع  "نفط أفريقيا" فتعد سيادة البيانات (Data Sovereignty) التحدي الأكبر. الرؤية الأفريقية المشتركة تشدد على أن البيانات الأفريقية يجب أن تُخزن وتُعالج داخل القارة لضمان عدم استغلالها من قبل شركات التقنية الكبرى خارج الحدود فالبيانات هي النفط الجديد، ولن تسمح أفريقيا بتكرار سيناريوهات الاستعمار المادي في الفضاء الرقمي. السيادة على البيانات تعني السيادة على القرار السياسي والاقتصادي."

     

    على حين أن محور " بناء القدرات والاستثمار في العقول لا الآلات" فان بناء الرؤية المشتركة يبدأ من الفصول الدراسية. وفقاً لإحصائيات منظمة اليونسكو، تحتاج أفريقيا إلى تدريب 10 ملايين مبرمج ومتخصص في البيانات خلال العقد القادم لمواكبة التحول الرقمي لاسيما مع قيام بعض الدول الافريقية ، ومنها مصر و نيجيريا وجنوب أفريقيا ، في إنشاء مراكز تميز للذكاء الاصطناعي هذا بالاضافة الى تزايد دعاوى " توطين التكنولوجيا " فى العديد من الدول الافريقية وان الهدف هو الانتقال من مرحلة "المستهلك" إلى "المنتج"، عبر دعم الشركات الناشئة الأفريقية التي بلغت استثماراتها في مجال التكنولوجيا أكثر من 5 مليار دولار في عام 2024.

     

    اما المحور الاخير فهو وضع " ميثاق أخلاقي أفريقي موحد " اذ أن توظيف الذكاء الاصطناعي يتطلب "إطاراً أخلاقياً" يراعي الخصوصية الثقافية واللغوية للقارة. فالخوارزميات العالمية غالباً ما تعاني من "تحيز" ضد الهوية الأفريقية نتيجة نقص البيانات المحلية في مجموعات التدريب العالمية فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد "موجة تكنولوجية"، بل هو الفرصة التاريخية لأفريقيا لقفز مراحل التنمية التقليدية وأن بناء رؤية مشتركة تعلي من شأن سيادة البيانات والاستثمار في الإنسان سيضمن أن يكون القرن الحادي والعشرون قرناً أفريقياً بامتياز، تدار فيه الموارد بعقول محلية وخوارزميات تفهم لغة الأرض وطموح شعوبها.

     

    وهنا لابد من وضع أهداف لبلورة الرؤية الأفريقية المشتركة فى مجال تعظيم استفادة دولة القارة السمراء من التنمية التكنولوجية بصورة عامة وتقنيات الذكاء الاصطناعي بصورة خاصة ومنها " توحيد القوانين "لخلق تشريعات رقمية عابرة للحدود لتسهيل تدفق البيانات بين الدول الأفريقية ، ثانيا "البنية التحتية "  الاستثمار في كابلات الألياف الضوئية ومراكز البيانات القارية واخيرا " التعليم التقني" لدمج علوم البيانات في المناهج التعليمية منذ المراحل الأولى.

     

    فى اعتقادي أنه حان الوقت لإعادة تفعيل دورنا فى القارة الافريقية وتعظيم الاستفادة من مكاتب التمثيل التجارى والمنتشرة فى عدد كبير من الدول الإفريقية لدراسة احتياجات تلك الأسواق ومعرفة القواعد التجارية للتواجد بها وكذلك وتنظيم البعثات التجارية المتخصصة بالتعاون مع الغرف التجارية والصناعية وجمعيات رجال الأعمال والمساعدة فى تنظيم معارض خاصة بالمنتجات المصرية لكسب ثقة المستهلك الافريقى مع المشاركة فى المعارض التجارية التى تقام فى الدول الإفريقية بهدف تكثيف التواجد المصرى فى السوق الافريقى لاسيما وأن لدينا اتفاقيات تجارية كثيرة مع أغلب الدول الإفريقية تمنحنا العديد من المزايا والفرص التجارية إلا إنها لم تستغل حتى الأن وتعد مجرد فرص ضائعة .

     

    فى النهاية نود أن نشير مرة أخرى أن القارة الإفريقية سوف تشهد فى السنوات القريبة القادمة نهضة شاملة تحتاج فيها لإمكانيات متعددة ومتنوعة وهو أمر يجب أن تنتبه إليه كافة شركات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ومؤسسات الأعمال المصرية التى تشكو مر الشكوى من صغر حجم السوق المحلى حتى لا نفاجئ بأوضاع جديدة نظل نحن خارجها كمشاهدين فقط .

     

    حمّل تطبيق Alamrakamy| عالم رقمي الآن