أكثر من 90% من حركة البيانات أوروبا وآسيا تمر عبر البحر الأحمر : الكابلات البحرية في الخليج " شريان العالم الرقمي " وضرورة تأمينها في ظل التوتر الإقليمي

  •  

    مضيق "باب المندب" نقطة عبور رئيسية للبيانات حيث تنقل الكابلات 17% من حركة الإنترنت الدولية

    شركات التكنولوجيا العالمية تمول أكثر من 70% من مشاريع الكابلات البحرية الجديدة لربط مراكز بياناتها

     

    كتب : باكينام خالد

     

    ارتبطت أهمية الخليج في الاقتصاد العالمي لعقود بتدفقات النفط التي تعبر ممراته البحرية. غير أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة في الشرق الأوسط كشفت بعداً اقتصادياً أعمق لهذه الجغرافيا، فالمسارات البحرية التي عُرفت تاريخياً بوصفها شرايين لتجارة الطاقة أصبحت أيضاً جزءاً من البنية التحتية التي تنقل البيانات بين الاقتصادات الكبرى.

    ولم تعد الكابلات البحرية التي تمر عبر الخليج والبحر الأحمر مجرد مكونات تقنية في شبكة الإنترنت العالمية، بل أصبحت جزءاً من النظام الذي تقوم عليه التجارة الرقمية والخدمات السحابية والأنشطة المالية العابرة للحدود. ومع تزايد اعتماد الاقتصاد العالمي على البيانات، برزت هذه الشبكات كعنصر أساسي في البنية التي تربط الأسواق والمؤسسات الاقتصادية حول العالم.

    ممر رقمي يربط الاقتصادات الكبرى

    يعتمد الإنترنت الدولي إلى حد كبير على الكابلات البحرية التي تنقل ما بين 95% و99% من حركة البيانات العالمية، وفق بيانات «الاتحاد الدولي للاتصالات» (ITU)، إذ تنقل هذه الشبكات تدفقات ضخمة من البيانات تشمل التحويلات المصرفية والتداول في الأسواق المالية وتشغيل مراكز البيانات العالمية، ما يجعلها العمود الفقري للاقتصاد الرقمي.

    وتمتد شبكة الكابلات البحرية العالمية عبر أكثر من 570 نظام كابل نشط بطول يتجاوز 1.48 مليون كيلومتر تحت البحار، بحسب بيانات شركة «تيليجيوغرافي» (TeleGeography) المتخصصة في تحليل البنية التحتية للاتصالات الدولية. غير أن توزيع هذه الشبكة ليس متساوياً جغرافياً، إذ تتركز بعض أهم مساراتها في ممرات محددة تربط القارات الكبرى.

    حركة البيانات

    ويبرز الممر الممتد عبر البحر الأحمر والخليج العربي بوصفه أحد أهم هذه المسارات، فالموقع الجغرافي للمنطقة يجعلها نقطة عبور طبيعية بين الاقتصادات الأوروبية والآسيوية. وتشير دراسات متخصصة في البنية التحتية الرقمية إلى أن أكثر من 90% من حركة البيانات بين أوروبا وآسيا تمر عبر الكابلات التي تعبر البحر الأحمر.

    كما يمثل «مضيق باب المندب» نقطة عبور رئيسية في هذه الشبكة العالمية، حيث تنقل الكابلات التي تمر عبره ما يقارب 17% من حركة الإنترنت الدولية. هذا التركّز في تدفقات البيانات يمنح المنطقة دوراً متزايداً في البنية التحتية للاقتصاد الرقمي العالمي، ويجعل الممرات البحرية التي تربط الخليج بالبحر الأحمر جزءاً من الجغرافيا الرقمية للاقتصاد العالمي.

    لبنية الخفية للاقتصاد العالمي

    لفترة طويلة، بقيت الكابلات البحرية جزءاً غير مرئي تقريباً من النظام الاقتصادي العالمي. فالمستخدمون والشركات يتعاملون مع الإنترنت بوصفه شبكة افتراضية، في حين أن بنيته الأساسية تعتمد على شبكة مادية معقدة تمتد عبر قاع البحار.

    تريليونات الدولارات يومياً

    لكن مع توسع الاقتصاد الرقمي، بدأت أهمية هذه الشبكات تظهر بوضوح أكبر، فالمعاملات المالية العالمية، التي تقدر بتريليونات الدولارات يومياً، تعتمد على الاتصال الفوري بين المراكز المالية الدولية. كما تعتمد شركات التكنولوجيا العالمية على هذه الشبكات لتشغيل خدمات الحوسبة السحابية وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي ونقل البيانات بين مراكز البيانات المنتشرة حول العالم.

    وقد ارتفعت السعة الدولية للإنترنت إلى نحو 1,835 تيرابت في الثانية في عام 2025 بعد نمو سنوي بلغ 23%، أيضاً وفق بيانات «تيليجيوغرافي». ويعكس هذا النمو تسارع الطلب العالمي على نقل البيانات نتيجة التوسع السريع في الاقتصاد الرقمي.

    التكنولوجيا تدخل سباق البنية التحتية

    دفع هذا التحول شركات التكنولوجيا الكبرى إلى الاستثمار المباشر في الكابلات البحرية. فبدلاً من الاعتماد فقط على شركات الاتصالات التقليدية، بدأت هذه الشركات تمويل مشاريع الكابلات الجديدة التي تربط مراكز البيانات الخاصة بها عبر القارات.

    وبحسب تقرير عن البنية التحتية للاتصالات العالمية، تموّل شركات التكنولوجيا الكبرى اليوم أكثر من 70% من مشاريع الكابلات البحرية الجديدة، مقارنة بنسبة تقل عن 10% قبل عقد واحد فقط. وتشمل هذه الشركات «غوغل» (Google) و«ميتا» (Meta) و«مايكروسوفت» (Microsoft) و«أمازون» (Amazon)، التي تسعى إلى بناء شبكات اتصال عالية السعة تربط مراكز البيانات الخاصة بها حول العالم.

    ويبين هذا التوسع تحول الكابلات البحرية إلى جزء من المنافسة العالمية في قطاع التكنولوجيا، فالشركات التي تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية تحتاج إلى بنية تحتية قادرة على نقل كميات هائلة من البيانات بسرعة وكفاءة.

    مراكز البيانات والطلب المتزايد على الطاقة

    في الوقت نفسه، يتزايد الطلب العالمي على مراكز البيانات التي تشكل العمود الفقري للخدمات الرقمية. وتشير تحليلات شركة «ماكينزي» (McKinsey) إلى أن الطلب العالمي على مراكز البيانات قد يتضاعف بحلول عام 2030 مع توسع الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية.

     

    كما تتوقع «غولدمان ساكس» أن يرتفع استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات من نحو 3% من الطلب العالمي على الطاقة حالياً إلى ما يقارب 8% خلال العقد المقبل. ويعزز هذا النمو أهمية المواقع التي تجمع بين البنية التحتية الرقمية وإمدادات الطاقة المستقرة.

    في هذا السياق، تكتسب منطقة الخليج أهمية متزايدة، فالدول الخليجية تمتلك مزيجاً من الموارد التي تجعلها موقعاً مناسباً لاستضافة مراكز البيانات العالمية، بما في ذلك الطاقة منخفضة التكلفة نسبياً والاستثمارات السيادية الضخمة والبنية التحتية المتقدمة للاتصالات.

    وتوضح هذه التحولات أن الجغرافيا الاقتصادية للعالم تشهد إعادة تعريف تدريجية. فالمناطق التي كانت تُقاس أهميتها تاريخياً بموارد الطاقة والموانئ التجارية أصبحت تُقاس اليوم أيضاً بالبنية التحتية الرقمية التي تمر عبرها تدفقات البيانات.

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

    حمّل تطبيق Alamrakamy| عالم رقمي الآن